أصدقائي الحمقى يتراقصون على موسيقى المدينة بشكل جنوني وينظرون تجاهي يصرخون ويدعوني لأشاركهم جنون العشرينات... حدجتهم بإبتسامة باردة وواصلت اتلاف السجائر.. كانت هناك فتاة من فتيات المدينة تتراقص بهدوء، كانت أنيقة جداً، رشيقة جداً، متناسبة الطول، شقراء الشعر، تجمع في عينيها ما بين زرقة الغرب الصافي وكحل الشرق الفاتن، وعلى شفاهها روج أحمر لطيف يزيدها جاذبية، كانت تلبس القليل من الاكسسوارات التي تضفي عليها جمال لطيف، وأجملها قبعة المدينة السوداء التي تضعها على رأسها، ولربما هذه القبعة لوحدها تزيدها اثارة بشكل مضاعف، كانت تتراقص بعفوية وهدوء، على أنغام موسيقى محلية. خلعت قلوب الجميع في وجودها، كنت أراقبها من بعيد وأنتظر... وكأن هناك موعد مسبق بيننا يرتبه القدر وتحيكه خيالاتي.. واصلت إتلاف السجائر وأنا أراقبها من بعيد، ونظراتي تلتقي بنظراتها، فتقرب تباعد المسافة وتصنع طريقاً ذهبياً بين قلبين.. الحمقى يظنون بأنّ الرومانسية تبدأ بالفراش، فالجنس مفتاح الحب، ولكني أظن العكس..! السر أنَّ كل شيئ يبدأ من النظرات، فالنظرة تفتح أبواب مغلقة إذا كانت قوية وسلطت على الجانب الصحيح، العينين! وهكذا تبدأ كل الحكايات، روميو مع جولييت، ساندريلا مع أمير القلعة، وحتى الضفدع والأميرة.. دوماً هناك نظرة دافئة تكسر الجليد وتفتح باباً من الحب اللامتناهي..
كانت نظراتي مسلطة على عينيها، وكانت نظراتها كعطر باريسي في ليلة صاخبة، وكل ما أسمعه يشير إليها وكل حركات جسدها تتجه نحوي..
وفجأة يعم الصمت، رغم الجنون من حولي.. أراها تتجه نحوي، بخطوات ثابتة، وعينين مسلطين على عيني، ثم تقف في مواجهتي، فأعدل من جلستي وأسحب نفس من السجائر وأنتظرها.. فتتحرك شفتيها ويالجمالهما من قريب، وتقول بصوت انثوي يطغى على كل الأصوات من حولي: "هل نرقص" وعندها أقف أمامها بقامتي المنتصبة، وأمد يدي لأمسك يدها وأحرك رأسي بإيماءة لطيفة، ونتجه لحلبة الرقص، فيدور في خلدي هل تحاول تلك الفتاة ترويضي، وأنا الذي أقفلتُ الطريق على شهواتي منذ سنوات، وروضتُ الليل وحدي بدون موسيقى وعلى فنجان واحد من القهوة، وسيجارة!
نظرتُ تجاه أحد أصدقائي المصدومين وأشرتُ له بإشارة فهمها على الفور وتغيرت تفاصيل وجهه ليعيد على السؤال بإشارة هل أنت متأكد؟
عندها قلت له بصوت عالٍ " أكثر من أي شيئ أخر"
بعد قليل ستتغير الموسيقى لتناسب رقصة التانغو، فإذا كانت تلك الفتاة تحاول ترويضي فعليها إذا أن تلعب بقوانيني الخاصة..
لم أكن أحاول إحراجها بقدر محاولتي إحراج القدر، فلا أحد يستطيع أن يسوقني بطريقته، حتى لو كانت تلك الفتاة..!
ومع بدأ الموسيقى بدأت أول حركة في رقصتنا، وعندها قالت لي، "فلتكن حرباً بقانونك وفوزي!" يفسح الجميع لنا الساحة، تبدأ فتاتي بمجاراتي بحركاتها المتمايلة، وأواصل سوقها لقدرها المحتوم، فأرفعها، وأعصرها، وأجفف النظرات، ثم ألقي بها دفعة واحدة تجاهها، والموسيقى تصدح، والجميع يصفق، وخلال الرقصة أقترب من أذنها وأهمس" بالمناسبة، لديكي عينين جميلتين جداً" تبتسم بخجل وتنظر تجاه شفتي! هل تحاول إغرائي بنظرات تنتهي بقبلة! كانت شهيتاً حد الإغواء ولكني تمالكت نفسي وابتعدت، وهي تقترب وأنا أبتعد، فتبدو رقصتنا متماوجة مع موسيقى وهتاف الجمهور، وعرق يتصبب من عيني، وشفتان تقتربان وأبتعد....
كنت أعتقد جازماً بأنَّ كل قصة حب تبدأ بقبلة لابد أن تنتهي بدمعة، كنت أفضل العناق، فالعناق يلحم جسدين معاً ولكنَّ القبلة تعني التحام روحين في لحظة واحدة لا تقف لها عقارب الساعة ويرويها التاريخ...
أن تقبل فتاة جذابة جداً يعني أن تكون مستعداً لتحمل خسارتها، يعني أن تمتلئ روحك بروحها وتحمل شيئاً منها معك، وتسير تفكر فيها وتراها في وجوه الجميع وربما تكون معك..
هل أقبلها؟ هل أقول لها لن أسمح لكي أن تملكيني لنفسك وأن تتركيني لشوقك!
اقتربت منها مجدداً وهمست في أذنها: "لن أقبلكي"..
ولكنها لم تكن لتسمح لحرب بدأتها أنا أن أنهيها أنا، ولم تكن لترضى بالتعادل، فمع الموسيقى، ورقصتنا، وهمسي وصمتها، ونظرات الجميع، وعيني، وشفتيها، ومشاعر تولد من جديد، أخذت برأسي، وقربته من شفتيها وقبلتني، نعم قبلتني! في لحظة يرتخي لها القدر ليشاهد ولادة روح من روحين وقلب من قلبين، وفي نهاية القبلة، صفق الجميع، ومشت، وتركتني مشدوها للحظة ستستمر بملاحقتي طويلاً بعد ذلك..
قبلة مع رقصة التانغو في بار المدينة وفتاة ليست ككل الفتيات، فتاة مثالية من فتيات المدينة.. يال حظي!
تراجعت نحو مقعدي الذي أعددته مسبقاً، ووضبت المكان بسرعة وجلست كما كنت خالٍ من نفسي ولكن هذه المرة مليئ بها، ثم تناولت فنجان القهوة الخاص بي، ونظرت تجاه الفنجان الأخر فلم أجده، فرفعت رأسي وعدلت من جلستي لأجدها تحمله، وتنظر خلاله إلي، وعندها قلت لها: " هل نرقص" فرتشفت فنجان القهوة على عجل، وأومئت بإيجاب، وقالت "هذه المرة بقانوني أنا" فأجبتها "هل أنتي متأكدة بأنكي تريدين الحرب" عندها نظرت إلى عيني، وتداركت تلك اللحظة بصوت أنثوي واثق وابتسامة مائلة وغمازات "أكثر من أي شيء أخر!"
عندها نظرت هي لصديقي، الذي لم يتغير شيئ في وجهه هذه المرة، وأشارت له بحركة تبدأ معها موسيقى المدينة وحربنا!
١٣\١١\٢٠١٥










