السبت، 26 سبتمبر 2015

لن أعيش في جلباب أبي!




لن أعيش في جلباب أبي!

كان يعيش هو وإخوته وأمه داخل جلباب أبيه، أعني حرفياً، كانو ينامون، ويأكلون، ويشربون، ويحتفلون وحتى يتقاتلون داخل قطعة قماش بالية يرتديها والده العجوز، والذي لم يملك من متاع الدنيا إلا جلباب واحد يقيه حرّ الشمس، وبرد الشتاء..
كان الجلباب واسع يسعهم جميعاً عندما كانوا صغاراً، فلم تكن مشاكلهم تخرج في أكبر صورها عن أخر طرف للجلباب الأبويّ، وكان والدهم يسعى جاهداً لكي يستوعب الجلباب الجميع فحتى حشراتهم الأليفة كانت تدخل في الجلباب لتسعد بدفئ العائلة..
كانو ينتقلون من مكان لأخر، كرحالة، فالشمس لهم، والليل لهم وجلباب والدهم معهم..
كم كانت الدنيا صغيرة في أعينهم، وكم كانوا رائعين..
ولكن كل جلابيب الدنيا لا تستطيع أن تحجم طموح شاب مراهق!
فانطلق أحد الأزرار، أعني أحد الصغار لينفك عن جلباب والده ويسعى بالدنيا وحيداً عنيداً شريداً..
قاسى ظلمة الليل، وحرالصيف، وبرد الشتاء..
واجه اللصوص، وقاتل من أجل لقمة العيش..
كوون ثروة من وراء رحلاته الكثيرة، كون تجربة، وعاش كروح حرة!
كم هي الحياة ضيقة عندما لا يحويك من متاع الدنيا الا جلباب واحد، وكم هي واسعة عندما يكون هذا هو جلباب والدك!
في النهاية، تدرك بأن الدنيا حقيرة والطموح أمر نسبي ويتعلق بمدى تجاربك الأولى..
فمن حجزته طفولته عن شبابه شاخ بسرعة، ومن وجد الليل قبل النهار ندم على كل تلك الصباحات الضائعة..
عندما يعود الطفل الهارب لجباب والده سيجد نفس الجلباب البالي، لن يجد عائلته أو ابوه..
سيعلم بأن الجميع تفرق في الدنيا، وأن العجوزين ماتوا تحت جلباب واحد، والأولاد تفرقوا يقصون الدنيا بحثاً عن منزل فارع وقصر منيف..
الموت لا يعرف قصص الناس ولا يهتم بحجم معاناتهم، كم هو عملي، هو فقط يأخذهم بأسلوب مجرد خالٍ من الدراما الأدمية...
البعض يرى الغربة بحجم الموت!
عندما يعود، سيجد قطعة القماش وحدها..
ما كان يجمعنا البارحة، فرقنا اليوم، هل هذه حكمة الرب يا ترى!؟
عندما وجد جلباب والده العجوز.. احتضنه.. التف به.. نام معه وفيه ولأجله!
ولعل النهايات تقاس بحجم البداية، فقمة رغبات الانسان في نهاية الطريق تشتاق لباديته، مهما كانت البداية صعبة فيوجد بها شيئ غريب، اعني شعور مميز، ممزوج بشوق ما، توليفة غريبة من روائح فلسفية..
عندما يروي قصته لجلباب والده سيجد من يسمعه، وينصت اليه، وسيشعر بنفس الدفئ القديم..
عندها سيضيئ شمعة من أجل الليالي الخالية، وسيلتحف جلباب واحد بحجم الدنيا، وينطلق من جديد..
وهنا سيدرك بأن جلباب والده كان يكفيه، وأن الحياة أعطته أكثر مما يستحق، فقط لو أدرك هذا منذ البداية!
أحياناً عليك أن تسافر بعيداً لتردك قيمة ما تحت وسادتك..


د يحيى البورنو
26/9/2015

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق