اعتاد أن يرسل طلبات صداقة لكل شخص بعد وفاته، لم يكن
يضيف الأحياء، كان غريب التفكير حقاً هذا ما كان يقوله عنه أصدقائه، أما عادته
الغريبة في اضافة الموتى فلم يعلم بها احد غيره.
كل يوم يقوم بإرسال العديد من طلبات الصداقة الفيسبوكية
للموتى الجدد، وكأنه يرحب بهم بأسلوب ستايل، ولم يكن ينتظر مهم قبول الصداقة، أعني
كيف لميت ان يتفرغ لتفاهات الأحياء! ولكنه كان يظن بأن فعله هذا أبعد ما يكون عن النفاق، فهو فعلاً لا يحتاج مصلحة من أي ميت مهم كان منصبه!
كان يذكر كلمة والده الميت قبل وفاته وهو يفرك يديه معاً
بقطرات من الشاي ويقول له " يا بني، الدنيا مش في الفيسبوك، الدنيا كلها
تجارب ولازم تعيشها، الفيسبوك للضعفاء"
مات والده ولم يملك حساب موقع تواصل اجتماعي، كان يفضل
حديث الختايرة مع الشيشة في عز حر الضهر.!
اما صديقنا فاستمر على هذه العادة، وبعد وقت طويل، وفي
يوم غريب وشبه مقمر، وصله قبول لطلب صداقة لشخص ميت، فمتقع وجهه استغراباً وأخذ يطلق الشتائم على
ادارة الفيسبوك الحمقاء التي تعبث بمشاعر الموتى وتتدخل في خصوصياتهم فتقبل عنهم طلبات لم يكونوا ليرفضوها لو كانوا أحياء.. وبعد قليل
وصله قبول اخر ثم اخر حتى فوجئ بقبول جميع طلبات صداقته من اصدقائه في العالم
المجاور!
استغرب واستنكر وشكك في مدى وعيه ولكن هذا لم يبدد مشاعر الاثارة الظاهرة وجهه المتطاول وهو ينظر الى الفيسبوك بشكل احمق!
قرر أن يقوم بخطوة إيجابية، فأخذ يتواصل مع الموتى ويحدثهم ويحدثونه عن اشواقئه للاحياء
ويخبرهم بماذا فعل العالم من بعدهم وكيف ان الكوكب أصبح اكثر تفاهة مع كل هذا الكم
من السياسيين وان الاطفال لم يعودوا يستمتعوا بالبلالين الملونة، وان الطعام اصبح
مهجناً وان الحروب أخذت الكثير من الاثاث معها دون ان تعود بشخص واحد!
ثم قرر مشاركة العالم باكتشافه المذهل فافتتح شركة لتواصل الاحياء مع الاموات، وأخذ يصل الأب
بإبنه والأم ببنتها والأحباب معاً، لم يكن يرغب بمقابل ولكن نظراً لضيق الحال، وقلة المال فأخذ يطلب مقابل مادي، وبدأ باستقبل الأموال على حساباته في سويسرا، مقابل ربط الاموات بالاحياء، حتى أنه في
أحد الايام اعلن زوج ميت بحي بأسلوب افتراضي بحت!
الموضوع وصل للرأي العام بسرعة، فأبدى البعض استهجانه للفعل المنافي للدين والحياء، وأتهمه البعض بالعمالة للحكومة، وأجندته الخارجية، ناهيك عن اتهامه بالحمق والجنون والتنجيم أحياناً والاستهتار بعقول البشر في كل وقت، رغم كل هذا الهجوم إلا أن أتباعه كانوا كثر ومصدقيه شيعوه إلى مرتبة النبوة، فكيف لحي أن يتواصل مع الأموات الا إذا كان لديه جزء ملكي في داخله وربما شيطاني أيضاً..
في يوم ما، وهو يشرب الشاي من داخل شركته العملاقة للتدخل في شؤون الموتى والأحياء على حد سواء، تداخلت في عقله الأفكار، فكيف له أن يتمكن من الوصول لأي ميت يرغب بالتواصل معه بينما لا يمكنه التواصل مع والده العجوز!
والذنب يقع على والده فكيف له العيش بدون جهاز ذكي في عصر حتى السجائر أصبحت فيه الكترونية!
التعب أعياه وقرر النوم بعدما ارتشف ما تبقى من شاي وتناول قطعة من السكر، ثم غط في نوم عميق..
استيقظ ليجد نفسه في مكان غريب، مظلم حالك، وعن يمينه ويساره هياكل عظمية تجلس أمام شاشة مضيئة ويحدقون بانتظار، نظر لنفسه، كم كان شاحباً وأمامه شاشة بيضاء أيضاً، وعليها وجد طلب صداقة معلق، لم يكن يستطيع أن يقبله ولا يرفضه، كان عاجز جتى عن قبول طلب صداقة!
صرخ خائفاً " أين أناا" لم يجبه أحد، وبعد دقيقة، اقترب منه هيكل عظمي لرجل عجوز، وقال له أنت معي يا ولدي، لا شاشة تحوي حبيبين! لقد أضاعك العالم المادي يا ولدي، وعدت إلى حضن أبيك أخيراً، إنها حكمة الرب يا ولدي"
ثم عاد لمكانه، وعرف صديقنا بأن الرجل المخيف كان والده وأن المكان الجديد كان مقبرة في مكان ما، ربما في عقله وربما على حسابه الفيسبوكي.. ولكنه لم يكن يحلم بالتأكيد! فقد قرص خده، ورأسه والمناطق المحرمة في جسده عدة مرات حتى يتأكد من أن الحقيقة أكثر وضوحاً مما كان يظن..
العجز والاستسلام وجهان للموت، هكذا كان الجو المحيط يقول..
العجز والاستسلام وجهان للموت، هكذا كان الجو المحيط يقول..
اقترب من الهيكل العجوز والذي كان يجلس أمام شاشة مغلقة، لم تفتح بعد، ونظر إليه بتركيز أكثر، كان هادئاً وكان يحمل كتاباً مكتوب عليه بالأحرف العريضة " أساسيات الفيسبوك، والتواصل مع العالم الحقيقي"..
ابتسم بسخرية!
ابتسم بسخرية!
وبعدها مستسلماً، عاد لمكانه، أمام الشاشة البيضاء، وأخذ ينتظر السماح له بقبول طلب الصداقة..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق