الثلاثاء، 5 سبتمبر 2017

أمل والبالونات



في مكان ما من العالم، هناك قرية صغيرة تقع في مكان نائٍ يعيش اهلها حياة بسيطة  مليئة بالحب وخالية من المشاكل، ويعيش فيها صنفان من المخلوقات الجذابة، الناس والبالونات. والمميز في القرية، أنّ البالونات ليست بالونات عادية، فهي بالونات حقيقية، تشعر وتمتلئ بهواء المشاعر وغبار الحياة، فعندما تفرح تنتفخ فرحاً وعندما تحزن تنكمش حزناً وعندما تخجل تحمر، وعندما تغضب تصفر، والبالونات مخلوقات صادقة لا تستطيع ان تخبئ مشاعرها، وأجمل ما فيها إخلاصها لسيدها، فكل بالون يعشق أُمه الأولى حتى لو كانت رجُلاً..
والناس في البلدة تعشق البالونات وتضعها في كل مكان، تربيها وتحيا معها، وتنتقيها كما تنتقي ابنها المستقبلي وتعاملها بمنتهى الحُب ، والبعض يضعها داخل كنزته الشتوية حتى تمتل بالدفء وتكبر بسرعة. أحدهم يقول " ما أجمل أن تحيا حياة قصيرة مليئة بالبالونات!"

ولكن في القرية هناك تقليد شعبي يأتي كل عشر سنوات يقوم فيه أهل القرية بانتقاء أجمل بالوناتهم ويطلقوها في الهواء الطلق لتذهب وتنشر النور في أقطار العالم، بالونات مليئة بالحب وعاشت حياة لطيفة ومسالمة..
ولكن البالونات عندما تذهب للعالم لا تعود حقيقية، ولا تستطيع عندها ان تنتفخ  وتتلون مع اختلاف الوان المشاعر، ورغم ان اهل القرية يعرفون ذلك الا انهم كانوا يرغبون بمشاركة العالم ما يملكون من مشاعر صادقة عبر بالوناتهم المخلصة..
أما أمل فكانت تخشى قرب هذا اليوم، فهي تعشق بالونها بشكل كبير، ترغبه في النهار عندما يأتي الليل، وفي الليل عندما يشرق النهار، تحادثه عن أفراحها فينتفخ حباً، تشاركه مشاكلها فيومئ لها بالحلول الحكيمة عندما تعجز أكبر عجائز البلدة عن الاتيان بحل خارق للعادة، فبالون أمل ليس ككل البالونات، هو بالون يستطيع أن يملك قلبك حتى لو كنت تبكي. ويملك عقلك حتى لو كنت في منتصف حل مشكلة رياضية صعبة الانجاز..

وعندما بلغت أمل العاشرة من العمر، اي بعمر بالونها الجميل، اقترب اليوم الموعود لإطلاق البالون، فجلست أمل مع البالون المنتفخ حباً بها، واخذت تعانقه وتبكي لأجله، وهو ينتفخ بكل ما في أمل مشاعر فياضة، كان الصباح مشرق،  وكان الوقت مناسب لغناء العصافير القادمة من شمال المحيط اغنية الهجرة، وكانت زعانف الحيتان الفرحة تعبث بالبحر والدلافين المشاغبة تداعب البالونات المائية..

امل تعرف بالونها فهو ملتصق جداً بها، ولأنها لا تريد أن تفقده، ولأنها لا تستطيع ان تعيش في حياة خالية منه،  فأخذت تقنعه بالهرب معها بعيداً والعيش حياة حُرة، حياة حقيقية مليئة بالتجارب، حياة لا يوجد فيها طقس كل عشر سنوات يتخلصون فيه مما يحبون ويطلقونهم بعيداً عن قلبهم! ليفقد قدرته على الحياة ويصبح أقرب للجماد..

كانت كلمات امل حزينة ولكنها تمس القلوب فأخذ البالون ينتفخ بقوة المشاعر، ومع انتفاخه يضغط على ما حوله من اشجار وصخور، ولكنه كان يعانق أمل فلا يلبث الا ان يحتمل الالم وينتفخ اكثر وأقوى مما كان ومع كل انتفاخ يضيق بالمكان حتى بدأ حجمه يفوق حجم جميع البالونات، وبدأ يظهر للرائي عن بعد كيلومترات بعيدة. وهذا لم يوقف أمل التي تجهد في اقناعه بضرورة الطيران معها، فإن كان لابد من الانطلاق في العالم، فلتنطلق معه ولينطلق معها ولتيشاركوا قرب المساحة!

البالونات مخلوقات ذكية، وتحب سيدها وتخلص له، ولو كان بالون أخر الذي تكلمه أمل ربما انطلق قبل أن تنهي جملتين، وربما انفجر في وجهها مبعثراً تجاهها كل هذا الكم من الحب، فالحب ينفجر قبل النهاية دوماً ليطبع علينا علامات الاخلاص قبل النهاية.. بالون أمل كان حكيماً لدرجة الصمت، ومُحباً حتى أصبح بحجم قريتها الصغيرة..

فأخذ ينفخ وينتفخ وتلتصق به  بالونات القرية، وتتبعه بالونات المحيط وبالونات الغابة، لدرجة أنّ جميع أهل القرية التفوا يشاهدون غرابة المظهر حتى خرج من بينهم أكبرهم سنناً وصاح مبتهجاً بالوننا المختار!

هناك اسطورة قديمة تقول بأنّه سيعيش في القرية بالون مختار، سيأتي عليه يوم يتطور ليصبح بحجم العالم وينشر البالونات في كل مكان. والغريب أنّ أهل القرية لم يصدقوا أنّ بالون كهذا سيخرج من قريتهم، وتحديداً من بيت الخباز الفقير، بيت أمل الجميلة..

أمل استغربت مما حصل وقالت له " هل هذا هو مصيرك يا صغيري، أن تصبح أكبر من أكبرهم، وأحكم من أحكمهم، حتى تستطيع التغيير، هل لكي لا تذهب وحيداً تأخذ الجميع معك، صدقني لو أنّ كل بالونات العالم انطلقت في طريق وانطلقت انت في طريق اخر لتبعتك حتى لو كانوا يعرفون طريق الخلاص وانت تتقفى الاثر"

عندها نظر تجاهها وسحبها معهه ليحملها حتى أصبحت فوق السحاب، ولأول مرة تحدث، بصوت لم يسمعه غيرها، صوت جهوري جداً سمعه كل بالون في العالم وقال " أمل يا عزيزتي، أنا فقط أصبحت البالون المختار لأجلك، لا لكي لا أصبح وحيداً ولكن لأننا عندما ننطلق في الحياة، لا ننسى أمنا الاولى ولا نعود بالونات حقيقية كما كنا، فقط نصبح بالونات عادية، أما معكي فأنا حقيقي حتى الثمالة، ومنتعش حد الاجهاد، وهنا ننطلق بقوة الحب الأبدي بين البالونات والبشر"


في اليوم التالي كان البالون المختار قد حمل كل القرية ومن فيها بكل بالوناتهم في اليوم المقدس، وانطلق مع بالونات البحر والجو والبر ينشر بالونات منتفخة بالحب تملئ العالم، وترسم وجه جديد لعالم يمتلئ بالبالونات الملونة، عالم حقيقي، كله أمل.. وبالوناتها..

الجمعة، 25 أغسطس 2017

رجل القهوة، الجزء السادس والأخير

الجزء السادس والأخير


في الثلث الاخير من الليل عندما يكون الناس نيام، استيقظ كل يوم، أقوم بغلي فنجان من القهوة على مهل ثم أجلس على شرفة المنزل العالية، أتذكر روزا وأكتب.. ولازلت على هذه العادة حتى اليوم..

روزا تركتني في صباح يوم جميل ككل الصباحات الجميلة والنهايات المؤلمة.. كنت أحضر لها هدية بمناسبة مرور عام على معرفتي بها، وكنت سأطلب منها الزواج، أخذت فترة في اختيار خاتم الزفاف، وفترة أطول في التفكير في كيفية طلب يدها للزواج، كنت كبيراً في السن، لكن في نفس الوقت خجول كالمراهقين.. السعادة هي ان تكون فرح جداً وأنت تسير في الطريق نحو هدف مأمول، وتراقب الناس تلقي بالتحيات، وتوزع الابتسامات، والجميل أن كل هذا يكون من قلبك... اتجهتُ نحو بيت روزا، لم أكن رأيتها منذ يومين، فلم تعد تأتي المكتبة، ولم أتواصل معها لاعرف لماذا غابت عني، انشغلتُ بكيفية سرقتها مدى الحياة ولم اشغل نفسي بيومي غياب، اما هي فيبدو أنها كانت تحضر لمفاجأة أكبر.. روزا فجعتني بما فعلت! عندما اقتربت من بيتها، كانت جموع من الناس تحلق حول البيت، يرقصون ويغنون أغاني فرحة، وكانوا يلتفون ليشكلوا حلقة حول روزا التي كانت ترقص في فستان أبيض، مع رجل غريب عني، رجل سرقها مني بدون مقدمات..
لم أتدارك حجم الفاجعة، فاقتربت بريبة لأتأكد مما رأيت، لم أصدق عيني، كانت روزا هي العروس فعلاً وكانت ترقص بحرقة مثل دجاجة مذبوحة والدم ينزل بغزارة، ولكن هذه المرة لم أعرف أدمي أم دمها هو المهدور فعلاً..
رأتني روزا وهي ترقص فلم تحرك ساكناً وواصلت الرقص لكن بشكل جنوني أكثر .. أكاد أجزم أنها كانت تبكي وهي ترقص والناس تهتف من حولها، والشمس تشاركني الحزن حيث كانت تغرب مثلي يومها وأنا أشاهد وأرى وأسمع، وفي داخلي كان هناك صوت خفي يخبرني بأنني هالك إذا لم أفعل شيء لأحرق روزا أو لأستعيدها على الأقل..
الرجل الذي معها نظر لي بريبة، ثم ترك روزا واتجه نحوي واقترب مني، ودنى فمه من أذني وقال لي" روزا تتمنى لك حظ موفق في حياتك، فهي الأن مشغولة في حياتها الجديدة"، وحينها أمسكت بياقته وجذبته نحوي بقوة، ونظرت في عينيه وعيني تطلق الشرر وقلت له، "هل تبتزها بشيء ما يا احمق، أخبرني والا قتلتك" ثم رفعته بقوة من ياقته حتى كاد يختنق وأنا اشد عليه، والناس تضربي وتشدني بقوة ولا أحد يستطيع أن يزحزحني عنه، ولم أتركه إلا عندما رأيت يدها تمسك بيدي وصوتها يعلو من بين الجموع لكن بهدوء قاتل وحزين وهي تقول " دعه، فإنه رجل طيب، اذهب يا جاد، ولا تعد مرة أخرى!"

سقط الرجل من يدي من هول الصدمة، وأخذت انظر نحوها، ابحث في تجاعيد وجهها عن رائحة روزا القديمة، ثم تركتني واتجهت نحو الرجل الغريب، وشدته من يده، وذهبوا بعيداً، وراء الشمس الحزينة، وتركتني روزا .. رتبت ملابسي وسرت في طريق العودة، وفي الطريق، وأنا متجه نحو اللاشيء، اخذت شيء ملفوف بعناية كان في جيب الجاكيت، ثم وقفت في مواجهة البحر، وبكل قوة رميت خاتم روزا نحو البحر، ومن يومها لا صديق لي سوى البحر..

لم  تنتهي الامور بهذه السرعة بالنسبة لي.. كانت الفاجعة كبيرة على قلبي ولم أتحمل الخيانة من شقي الأخر، لم أقابل بعدها روزا بفترة طويلة، اعتزلت الناس وشعلت سيجارة لم أطفئها بعدها وكببت كل ما أملك من قهوة، أردت النوم حقا ولم اجد سبيلا له ابدا...
 اما روزا فلم أعرف ما الذي حصل معها ولم أرد أن اعرف، لم أبحث ان اجابات منها ولا مني .. واصلت الحياة كما عهدتها قبل الحب  كانت قاتمة وبلا هدف..
مرت سنة كاملة بدون ان يمر يومي الاول لكني رجل عملي واعرف كيف اعيش بقلب محطم وحتى السعادة بعدها تبدو فلسفة وشيء يقرأ!

مرت الايام واستيقظت على غير العادة، كان شيء غريب في عيني يحرقها اردت ان ازيله ففركت عيني قليلا ثم غسلت وجهي امام مرأة الحمام.. كانت التجاعيد شبه منتشرة وكأن عدوى الكبر أصابتني مبكرا،  رغم نشاطي اليومي في العمل الا ان شيء ما يمنعني من الخروج، أحسست بشيء غريب ولم ادري ما هو، فنظرت من حولي . يبدو انني لم انتبه للبيت منذ فترة طويلة .. اتجهت نحو المطبخ وشعرت بيدي تتحركان بلا وعي مني فتأخذ واحدة غلاية المياه وتضبط الاخرى النار وتضع الثالثة القهوة وتعد الرابعة الفنجان، كان يخيل الي بأنني اخطوبوط يعد قهوة الصباح، أبعد عام كامل بدون قهوة استيقظ اليوم لاعد لنفسي شيء من الماضي! هل تجاوزت مأساتي وتصالحت مع نفسي! لم افكر كثيرا، جذبت الفنجان، واتجهت نحو الشرفة وأنا أرتدي روب النوم، ثم جلست ورفعت الفنجان لارتشف قليلا، وبعدها شعرت بشوق جامح لروزا! شيء لم اشعر به منذ وقت طويل، كانت صورتها في الفنجان ورغم اني لا اطالع الحظ الا انني عرفت بأن القهوة اختارت روزا لتكون يومي بعد عام كامل من العزلة... لم أكمل الفنجان ولم استطع، ارتديت ملابس العمل بسرعة وكأني هارب من شيء مخيف يلاحقني ونزلت السلم واتجهت نحو سيارتي، ثم عزلت عن قيادتها واثرت ان اركب المواصلات العامة... كنت اتخبط بالمشي ويبدو علي العصبية، لم اعرف لماذا كل هذا التوتر فقد تركت روزا منذ زمن وعزلتها بعيدا عني حتى في عقلي لكن شعرت بأنني لست على ما يرام....

ركبت تاكسي من الشارع كان السائق يبدو عليه انه مخمورا لكنني لم اعر الامر اهتمام كبير، قلت له ان ينتبه على الطريق فنظر نحوي ثم اخذ يغني لي اغنية فيروز "ليالي الشتاء الحزينة" شعرت برغبة في لكمه لكن فجأة انتبهت لذاكرتي، كنت قد نسيت الشوارع واخذت انظر من نافذة السيارة واتذكر الشتاء وفيروز وطريق طويلة من المحادثات الشديدة بيني وبين روزا، والسائق يسرع بالسيارة ويغني ويلتفت نحوي يضحك ويقول لي "النساء حمقى، يتركوننا بعد ان نتعلق بهم!" ثم يغني ويضرب ببوق السيارة حتى صرخت في وجهه ان ينتبه للطريق والا سيقتلنا  فنظر نحوي بدهشة وكأنه استيقظ من نومه، وفجأة فقد السيطرة على المقود والسيارة واتجه نحو خط المشاة، فضرب بريك بسرعة ومن شدة الضربة وسرعة السيارة طارت السيارة في الهواء بسرعة ولمحت من النافذة وانا اصرخ واطير واتعلق بكرسي السائق واطلب النجدة، لمحت شيء جعلني اتوقف عن التنفس لثانية، كانت روزا فاتحة عينيها وضامة يديها على قلبها وهي تنظر نحو السيارة التي تتجه نحوها ..! كانت تصرخ بشدة وكنت صامتا وكنت ابكي ورغم ضيق الوقت الا انني ظننت بأنها لمحتني ثم حركت شفاهها من شدة الدهشة وقالت جاد! والتحمت السيارة بروزا بالسائق وبي....

في اليوم التالي كنت على سرير المستشفى نائم وفي يدي كانيولا وجبص في قدمي وعندما فتحت عيني سألت سؤال واحد اين روزا؟! 
فاتجهت الممرضة نحوي وهي مبتسمة وتقول لي حمدلله على السلامة، فسألتها اجيبيني اين روزا؟ 
فقالت لي اتقصد روزا يونس؟ من حادث السير؟ نعم هي روزا ماذا حل بها!
مممم لقد فارقت الحياة... هل تعرفها؟
اسودت الدنيا من حولي... ان تتركني روزا وان اكرهها امر يمكنني تفهمه، أما أن لا تكون معي في هذه الدنيا امر لا يمكنني تخيله...
نظرت نحو الممرضة ثم سألتها عن السائق فأخبرتني بأنه في العناية المركزة والامل في نجاته ضعيف.. يبدو انني سأحمل وزر روزا لوحدي بعد ان يموت السائق المخمور مكسور القلب وحيدا...

طلبت من الممرضة فنجان من القهوة، فأخبرتني بأنه ممنوع الان، طلبت منها سيجارة، فأخبرتني بأنه ممنوع ايضا.. شعرت بضيق اريد شيء اضعه بين شفتي فأخبرتني بأنه يمكنني شرب الماء ثم اعطتني كأس من الماء، فنظرت فيه ثم قمت من سريري واخذت انزع الادوات الطبية المعلقة في جسمي والممرضة توبخني وانا لا اعيل احد اهتمام وخرجت من باب المشفى لوحدي وانا اسير اتجه نحو اقرب كشك ثم طلبت من البائع فنجان قهوة وسيجارة واخبرته ان يسجله على حساب رجل القهوة، ولولى انه يعرف من انا لطردني لكنه اعطاني ما اريد ثم قال لي "البقية بحياتك يا دكتور" فأشعلت السيجارة وارتشفت من الفنجان وقلت له لم يبقى شيء في حياتي يا رجل، ربما علي الان ان ابحث عن حياة اخرى..

وتركت المشفى وانا اعرج على قدمي المجبصة وجميع من في الشارع ينظرون لي وكأنهم يشاهدون مهرج خارج من عملية للتو اما انا فكنت ارغب بالجري واحاول ان انزع الجبص من قدمي لكنني لم افلح في ذلك فواصلت الحركة ببطء نحو البيت حتى ساعدني احدهم وأوصلني لمنزلي بسيارته ثم تركني لادخل بيتي ولم حتى اعزمه على الدخول لشرب الماء رغبت بالجلوس وحدي فقط وبعدما دخلت البيت ارتميت على السرير واخذت انظر نحو السقف واغمضت عيني واخذت اتخيل روزا وهي تحرك شفاهها وتقول جاد، ثم أكملت، اشتقتُ لك...

في اليوم التالي استيقظت، كنتُ منهكاً جداً، وخائفاً ان يكون الامر حقيقي، نظرت حولي، فإذا أنا ملقى على السرير، وقدمي السرى مجبصة بجبص مهترئ، وارتدي ملابس المرضى، حاولت أن استوعب الامر للحظات، ثم انهرت في دموعي وانا ابكي بحرقة، واصرخ، روزا لا تركيني..

لو أن الزمن يعود للوراء قليلاً ربنا كنت سأحاول أن اكون اكثر انتباه لها، او ربما حاولت ان استعيدها مرة اخرى، ربما كنت سأتابع اخبارها قليلا علي اجد لي فرصة مرة اخرى... لكن يا صديقتي لا شيء يعود، ولا حتى تلك اللحظات الجميلة التي عشتها معها..
استعدت عافيتي ببطء، لم يعد شيء يهمني، اكملت حياتي بشكل عادي، لم اخذ ايام اجازة اكثر مما هو متوقع، ولم اتباطئ في العمل.. كنت اعمل كما في السابق، لكن هناك شيء في وجهي لم يعد كما كان، وهناك بريق اختفى الي الابد..

قمت بزيارة السائق المخمور في المشفى، كان قد استعاد عافيته بشكل ممتاز، لكنه بقي عالقاً قبل الحادث، عندما رأني دمعت عينيه وقال لي نحنً الحمقى، عندها أومئت له بنعم واشعلت له سيجارة في غرفته في المشفى، وتكلفت في كافة مصاريف علاجه، الغريب حقاً اني ام أكرهه، كان نوعا ما ضحية مثلي تماماً.. وكم هي الحياة ساخرة عندما يتعلق الامر بمن نحب، كانت كل فترة تأتيني فكرة أنني قتلت روزا الجميلة..

الايام رتيبة يا روزا، كنت اتنقل ما بين العمل، وما بين المقهى، وفي يوم من الايام كنت امشي بجانب المكتبة، فأردت أن ازورها، علي ابكي على ذكرياتنا معا بين الكتب.. 

تفاجأت حقاً عندما اخبرني امين المكتبة ان روزا كانت تأتي كل يوم تنتظرني، بالساعات وتقرأ قليلاً لعدة اشهر، شعر بغصة عندما واتتني فكرة ان روزا لم تنسني حقاً وانها حاولت ان تتصل بي، لم تترك لي رسالة، لكن الامر كان واضحاً، روزا كانت بانتظاري..

ربما لو نظرت خلفي قليلاً لوجدتها تناديني، جاد لاتذهب وتعال نتحدث... لم أفهم يوماً النساء ولا اعتقد بأنني فهمت روزا..

ما رأيك بقصتي؟

في الحقيقة، لا اعرف ماذا اقول لك، انت حقاً عميق، لكنك مسكين يا جاد، لا اتمنى أن يحصل ما حصل معك لأي شخص أخر، ولا يستطيع ان يلومك احد على اي شيء، ربما من الأفضل أن تنسى يا جاد!

جاد اغمض عينيه قليلاً وشعرت لوهلة أنه يتذكر نظرة روزا له خلال الحادث وهي تحرك شفاهها باسمه.. لم أدري كيف أنهي المحادثة معه، فهي محادثة بلا نهاية، ولم ارغب بوضع نقطة النهاية في قصة عزيزي جاد، لكن لا اعتقد أنه يملك الكثير ليخبرني به الان.. اما قبعته فأصبحت بلون رمادي، فلا هي بين الاسود ولا الابيض وكأنه معلق بين عالمين.. واما نظرته فكانت تجاه الطاولة وهو يلعب فنجان القهوة.. ثم نظر الي وقال: روزا، لا اعرف ان كنت حقيقية، مع انني اتمنى ذلك! لكن ربما انا الخيال في حقيقتك، لكن، انا سعيد بمحادثتك يا عزيزتي... 

استيقظت روزا من نومها العميق، كانت على سريرها الخاص هذه المرة، لم تكن في مكان وكر رجل القهوة، ولكنها عرفت انها الان في بيتها، شعرت بأن كل ما مرت به هو مجرد  حلم طويل، وأن لها حياتها الخاصة التي اخذها منها رجل القهوة قليلاً وهو يروي لها قصته.. قامت من السرير وهي تشعر بحيوية غريبة، اتجهت نحو المطبخ، بحثت في خزن المطبخ عن القهوة فلم تجدها، كانت بحاجة لها حقاً.. قررت ان تخرج تشرب القهوة في اي مكان قريب، كانت تشعر بغرابة حقيقية لكل ما حصل لها ولكنها كانت تحتاج جرعة من القهوة.. ارتدت ملابسها وخرجت في الشارع لا تعرف اين تمشي، كانت قدماها تقودانها لمكان غريب، لمحت روزا من على بعد شارعين يافطة لمقهى قديم، اتجهت نحوه، وعندما دخلت، تفاجأت بأن المقهى هو نفس وكر رجل القهوة، لكنه مليء بالناس، وكان هناك رجل يعزف موسيقى حزينة على البيانو، ركزت روزا في وجوه الجميع ثم انتبهت لشخص بعينه، كان رجل انيق جداً يرتدي قبعة، ويجلس على طاولة قديمة حقاً..

اقتربت روزا من طاولة الرجل بريبة، ثم جلست على الكرسي المواجه له، وابتسمت في وجهه وهي تشعر بالدهشة حيث كان فعلاًً هو رجل القهوة، ولكنه لم يدهش مثلها، ولم يعطي الامر اي اهتمام، قال لها: مرحباً بك هل يمكنني مساعدتك يا عزيزتي؟

عندها ابتسمت روزا في وجه رجل القهوة وصافحته وقالت: روزا عبد الغني، صحافية، ولدي كلام كثير أريد أن اخبرك به يا دكتور جاد..
 ابتسم الطبيب الجالس أمامها وقال لها هل أطلب لك شيئاً؟
فردت عليه روزا بشيء من الحيوية وكأنها نالت أكثر مما أرادت وقالت، ارغب في فنجان قهوة من الحجم الكبير وأرجو ان تطلب لنفسك نفس الشيء..
جاد نادى النادل وطلب منه فنجانين من القهوة، ثم نظر في عيني روزا، وقال لها، روزا! هذا الاسم له حكاية طويلة معي..
اما روزا فكانت مشغولة بتفحص وجه رجل القهوة ثم تداركت الموقف وقالت، أعرف تماماً ما الذي تريد أن تخبرني به يا جاد، ولكني أريد أن اخبرك هذه المرة بقصتي ايضاً..
وضع النادل فنجانين من القهوة من الحجم الكبير، ثم استأذن من روزا وجاد وكل منهما ينظر في عيني الاخر ثم تناول كل منهما فنجانه وارتشف منه قليلاً.. وبعدها نظرت روزا في وجه رجل القهوة واخذت تقص عليه قصتها وهو يستمع لها بتركيز كبير وعيناه تنفتحان على اخرهما دهشة بما يسمع..


النهاية...

الجمعة، 5 مايو 2017

رجل القهوة، الجزء الخامس..


الحب..
اعلم بأنني أكثرتُ عليك يا روزا عندما أخبرتُك في ذلك اليوم بأنني أُحبُك! لا أعرف حقاً كيف واتتني الشجاعة أن أنطق بتلك الكلمة، شعرت بأنها خرجت من كتاب مغلق، وعندما نفضتُ عنه الغبار، لم أستطع أن أتدارك ذلك الشعور الغريب، الذي انبعث مني، ليخترق كل كيانك..
الحُب شبكة نُريد أن تُمسكنا، وفخ نأمل أن نقع فيه، وحتى بعد أن يهزمنا ويأكل ما تبقى من فُتات، نحنُ إليه.. البعض مع الزمن يخيط جرحه بالأيام ويحاول أن ينسى والبعض يشرب من دمه ويقفل شعوره ويكون كالألي لا تعود تلك السكاكين تجرحه، والبعض يعيش على الذكرى ويكتب، وأنا هنا أحدثك يا روزا بما كان بيني وبينها من دفء لا زالت حتى الأن ارتديه في الزوابع.

من روزا الى رجل القهوة، إقترب قليلاً..

" عزيزي جاد، انت اجمل شيء حصل لي منذ فترة طويلة، وحتى بعد كل تلك الصعوبات التي تخطيتها كي اتمكن من ان اكسر بعض الحواجز معك، لازلت أعتقد بأنك سد منيع وأن المشاعر التي تجد طريقها  نحو قلبك لابد أنها تملك باب سحري.. يا جاد، انت مزيج من شيء جميل ومبهم!
الاسبوع الماضي فجرت قنبلة مدوية في وجهي، وشتت عقلي بين ألاف الأفكار التي تحركت بعشوائية وبلا اي هدف في لحظة واحدة عندما قلت لي كلمة "أحبك!"
بعض الكلمات لا تعرف اثرها عليك حتى تجربها، لا أعرف كيف أصف شعوري لك بعدما صدمتني بحبك.. كنت تنظر نحو عيني بشيء من الإلحاح، ونحن نجلس على شاطئ البحر، وأنا اعبث بالرمال وأداعب قدمي واضحك، ثم بعد لحظة صمت، بُحتَ بحبك لي و قمت من مكانك وتركتني وكأنك تعرف أنك بكلمة واحدة أزلت عني ملابسي وتركتني عارية ومذهولة..
الحب هو شيء جميل جداً يا جاد، لا يجرح ولا يؤلم لكنه يشفينا من جروحنا ويحيي الجمال داخلنا..
عندما تركتني استغليت لتك اللحظة التي أعطيتني إياها مع نفسي، ثم هربتُ من نفسي.. نعم قُمتُ من مكاني بسرعة وأخذت أعدو نحو المنزل، وأنا مرتبكة وخائفة، كنت أعدو بسرعة، كانت دوعي تسيل نحوك، وكنت أشتهي عناق، عناق واحد يا جاد كان كفيلاً أن يعيدني لنفسي بعد أن فقدتها في حيرتي من دفء الموقف، لم أرد عليك يومها ولا بعدها، لكن كيف لي أن ارد عليك وأنا عارية من نفسي، وأنا حمراء وخجلة، وأنت تفاجأت بفعلي وأخذت تجري ورائي، لم تحاول ان تمسكني، ربما كنت تعرف أنّني لابد أن أعود لك، هل تلعب معي ألعاب عقلية يا جاد؟
أخبرتك يومها وأنا اجري بسرعة بأنني سأراك لاحقاً، عندما تشرق الشمس في مهرجان الرقص!
في اليوم التالي، لم ترانِ، كُنتُ خائفة أن أراك مجدداً فتخبرني بأنك كنت أحمق ولم تقصد ما تقول! 

وبعد أسبوع أتيتك يا جاد، وفي المكتبة كعادتك كنت تجلس تحدق في فنجان القهوة أمامك لم يكن أمين المكتبة ليراجعك مجدداً بأن الشرب ممنوع في المكتبة فمع الوقت أصبح يعد لك فنجانك الخاص معه ويستمتع أحياناً بمسامرتك، أما أنا فأخذت أتلصص من بعيد نحوك، ثم تنهدت وأنا أمسك بيدي محاولة تهدئة نفسي، واقتربت منك يا جاد، كنت خجلة لأنني ابتعدتُ عنك اسبوع بأكمله، حاولت أن أنساك! لكنِ لم استطع، ثم قررت بأنّ الذي بيننا يستحق أن اعيش من أجله.. أما أنت فكنت هادئاً ومبتسماً وكأنك تعرف ردي المسبق وتخفي الاجابة مني..عني!، لم تتكلم عندما رأيتني، لم تحييني، فقط قمت عن كرسييك واقتربت!، وبدفأ أمسكت بيدي وقبلتها، وبعدها عانقتني لاول مرة بجرأة و أخذت ترقص معي في مكتبة بشكل جنوني وانت تصيح بصوت عالٍ، الحُبُ أحمق يا روزا، وأنا أحبك، ولم تتركني حتى أتاك أمين المكتبة يصيح وهو مذعور لينبهنا بأن الجميع ينظر الينا وأننا دنسنا هذا المكان المقدس بحماقة الحب!
ربما لا أعرف كيف أبدأ الرسالة، لكنني أعرف كيف أنهيها، وهنا لن أزيد عن كلمة واحدة، وهي، أنا أحبك..!
ياللسخرية، أنها كلمة من كلمتين!

روزا..

كانت لاقائتنا متباعدة في البداية، كنا نخترع أسباب تافهة كي نلتقي لكن بعد أن قرأت رسالة روزا شعرت بأنها تبادلني نفس الشعور، فأخذت أكثر من رؤيتها حتى لا تغيب عن ناظري، حتى أنني في مرة من المرات فكرت أن أتعلم الفرنسية حتى أتحدث مع روزا بلغة تجيدها، فقد كانت روزا عاشقة للغات، وكنت أنا عاشقاً لها.. في كل مرة كنا نخرج فيها كانت ترتدي فستان أجمل من السابق، وكأن الجمال تراكمي.. كانت أيام الأسبوع مقسمة مابين العمل، ولقائاتنا، توقفت عن القراءة، وحتى أنني ودعت التدخين! فلم أكن متفرغ لحرق صحتي كانت روزا تحتاج كل جزء مني!..

روزا كانت فتاة مليئة بالحيوية، وجميلة، كان شعرها أسود غامق وفي نفس الوقت جذاب، لطالما ذكرني بالسماء، الجميل فيها هو الأناقة، كانت تبدو مثل سيدة فرنسية من أصول عريقة، لكن مشكلة روزا أنها كانت درامية جداً وتحب ان تجعل كل لحظة حياة بكاملها، أحياناً يمكن ان يكون هذا الأمر نقمة على صاحبه لكنني كنت سعيداً جداً بكل صفاتها.. لم أكن لحوحاً في سؤالي عن حياتها الخاصة، كنت أترك لها الحبل كي تحدثني عن نفسها، وفي كل مرة كانت تأخذها الكلمات لتبوح بأكثر مما تريد، ومع الأيام أصبحت شفافة أمامي رغم عمقها الطاغي..

العمل كان جزء مهم من روزا، فهي لا تترك المركز الطبي الذي تعمل فيه حتى تنتهي منه تماماً وأعني أن روزا لا تترك عمل يتراكم نحو الغد، فقد كانت أعمالها الادارية كثيرة وكانت مدير أعمال قسم شؤون الموظفين في مركز طبي قريب من المكتبة، ولأنني أعشق عملي مثلها فلم أعاني من حبها لشئ أخر غيري، لكني كنت متأكد أن الأيام لو خيرتها بين شيئين لاختارتني حتماً أو هكذا كنت أظن..

على مدار عدة أشهر، كنا كعاشقين ساذجين، نفعل ما يفعله المراهقون المفعمون بالحيوية، نتبادل الرسائل الرومانسية، ونخرج ليلاً لنراقب القمر، ثم نتسابق نحو الجانب الاخر من الشارع ونحن نتشابك الأيدي، أحياناً كنا نذهب للبقالة لنشتري الشكولاته والحلوى ونتناولها على الشاطئ، وأحياناً أخرى كنا نشتري الكتب.. كنا نلهب حبنا بالكلمات الجميلة والهامسة، لازلت اذكر ليالِ من المكالمات الهاتفية عندما كنتُ اكلم روزا بدفء لتنام بسرعة ثم أترك الهاتف يعمل لأسمع أنفاسها بالليل وأنا أحاول التوقف عن النوم حتى لا يفوتني شيء أُحبه! ولازلت أذكرها وهي تغني لي بصوت رقيق وعيناها تلمعان في العتمة، كانت شيء جميل أتى ليملئ علي كل حياتي كانت رزق، وكانت هدية من السماء.. لا يوجد اعذار في الحب، ولا يوجد حواجز، وعندما يكون هناك وصلة بين روحين فإنها لابد أن تكتمل مثل البدر في الليلة المظلمة، مثل روزا..

لا أعرف أن كنتي تريدين أن تعرفي المزيد عن حياتي مع روزا، ولا أعرف لماذا اخبركِ عنها، أنت ظهرتي من اللاشيء تماماً مثلما اختفت هي، وكأنه يجمعكم شيء ما، ربما عنصر المفاجأة الذي لطالما ظننت أنني املكه مع الناس، ثم أتت روزا ومن بعدها انت، وكأن الله يعاقبني ويخبرني بأنني احمق، هل لازلت تريدين أن تعرفي المزيد!؟

" ربما احتاج أن أعرف المزيد فعلاً، فأنا حائرة معك!، ولكن طالما أنّ الحياة كانت جميلة، والحب يملئ حياتكم إذاً ما الذي حصل وجعلك بائساً كل هذا البؤس؟ "

في الحقيقة حصل شيء لم أتوقعه أبداً!

"أرجوك أكمل!"

لقد تركتني.. روزا، تركتني! وإلى الأبد...

يتبع

الأربعاء، 29 مارس 2017

رجل القهوة، الجزء الرابع



عندما تعملين في وظيفة طبية يا روزا، ستعرفين عندها انّك اجلتي الحياة قليلاً لتخففي من معاناة أناس لا تعرفينهم، أحياناً يحلو لي أن أعتبر الطب موقف لصيانة الأجساد المهترئة في طريق الحياة، وهكذا كنتُ يا روزا، طبيب، اتنقل ما بين المستشفى والعيادة الطبية التي كنت أعمل بها، كانت الحياة سريعة جداً والناس كثر جداً، ولا يوجد وقت لتنظري أمامك أو لتحدقي في المرأة لتلاحظي تغيرات الزمن عليك. عشقت مهنتي جداً، وكنت أجيد ما أفعل، عملت في حقل النساء والتوليد، نسميه في مهنتنا dirty field أي الحقل القذر، ربما لأنه لا يشبع من الدماء، فدماء مقدمة، ودماء مهدرة، وكلها تنسكب على أعتاب حياة قادمة، أو أخرى منتهية.. خضت غمار حروب صغيرة كثيرة جداً، ولّدتُ نساء كثر وشهدتُ على قيام حياة مرات عديدة، ازلت العديد من السرطانات، واستأصلتُ كم هائل من الارحام المريضة، شهدتُ مأساة العديد من النساء أيضاً، وطببتُ العديد من جرحى الجنس اللطيف يا روزا.. مع الوقت لن يكون هناك مشاعر ترافقني في مهنتي، فقد تخليت عنها منذ وقت طويل حتى استمر بالعمل، وكنتُ ناجحاُ. من الصعب أن تكون ناجحاً ومرهف الاحساس، فالاحساس العالي سيلقي بك في غمار مهنة اخرى، الفن، او الهندسة مثلا، يقولون الطبيب مرهف الاحساس، لا أعرف أحد بهذا الوصف في مهنتي للأسف .. كنت استوعب هذه النقطة جيداً خلال فترة شبابي ومن نجاح لاخر كونت لي اسم معروف وعملت في مركز طبي مرموق واخذت اترفع في المواقع الطبية.
في يوم من الأيام اتصلت علي المستشفى التي أعمل بها في يوم اجازتي لأسارع بإنقاذ امرأة في منتصف الثلاثينيات حامل وتعاني من تمزق في الرحم، وكانت حالتها صعبة جداً ودخل في العملية افضل الاطباء وكنت على رأسهم، وفعلت أفضل ما في وسعي لانقذها واغلق نافورة الدم المفتوحة، وقمت باستأصال الرحم المسكين فهذه كانت افضل الحلول لدي في مثل حالتها، وحاولت أن احافظ على حياتها ونجحنا بفضل الله في ذلك.. كانت عملية عادية لي قمت بعمل عمليات مشابهة لها سابقاً، لكن في ذلك اليوم التقيتُ بها! " من هي؟ " التقيتُ بروزا يا عزيزتي... كانت خائفة وتبكي عندما قابلتها خارج غرفة العمليات واقتربت مني بخوف شديد وهي تسأل عن اختها،  كانت جميلة جداً وخائفة وكنت منهك وجائع، طمأنتها، واخبرتها بأنّ اختها بخير، ثم تركتها كما يفعل الاطباء في منتصف المحادثة عندما يكون اهل المريض بحاجة لعناق، ولم أكن أحبُ العناق يا روزا، لم أحصل عليه يوماً وفاقد الشيء لا يعطيه، تركتها وذهبت لاكل وارتاح.. كانت فكرة الطعام تريحني، المضغ البطيء للشيء، والتفكير في اللاشيء ثم تجرع كأس ماء لتبلع ما أكلت وما فكرت شيء غريب، لطالما ظننت بأن هناك شيء فلسفي عميق في كل العمليات الحيوية التي تخوضنا، هي فعلاً تخوضنا ونحنُ الناتج النهائي، نحنُ الحصاد البديع...
بعد عدة ايام قمت بمراجعة حالة المريضة بنفسي، فوجدتها تجلس بجانب اختها، كانت تلبس النظارات، وتحمل كتاب، يبدو أنها كانت تقرأ، اطمأنيتُ على الحالة، ثم تركتها وخرجت، وخرجت تجري خلفي، كان صوتها خافت وهي تناديني بدكتور، لانظر واجدها شبه خائفة وخجلة، استدرت نحوها بابتسامة عريضة، وانتظرت أن تتحدث، فقالت لي، " شكراً لك لانك أنقذت حياة اختي" "لاشكر على واجب يا عزيزتي، بالمناسبة ما هو اسمك؟" "انا اسمي روزا" "اسم جميل، ارجو لك التوفيق يا روزا" ، " دكتور، هلا قبلت مني هذه الهدية" " في الحقيقة، أنا لا أستطيع قبول الهدايا من المرضى وذويهم، سامحيني يا روزا" "لا تعتبرها هدية او رد شكر، هي مجرد شيء للذاكرة يا دكتور، فلو أنك الان ذهبت بدون أن اعطيك شيء ما، فلن تتذكر اليوم ولن تتذكر اختي ولن تتذكرني، فرأسك لا يحتاج امور اخرى ليحشدها بجانب ما يملؤه، لذلك أنا اعرض عليك أن تبقي شيء في الذاكرة، وتخسر النسيان!" ردها الغريب زاد فضولي في معرفة من هذ هذه الفتاة حقاً وكيف لها أن ترد علي برد غريب كهذا لذلك مددتُ يدي، وتناولت مظروف مغلق منها، ونظرت في عينيها محاولا الكشف عما تخبؤه من خلالهما، ثم ابتسمت لي، ودنت من جسدها قليلا كما تفعل الاميرات وهنّ يحين الملك، وتركتني وانا افكر فيما فعلته منذ قليل، وفيما فعلته انا، ثم تذكرت أن اشكرها، ولوحت بالمظروف وقلت " روزا، شكر لك!"
في البيت بعد يوم مرهق تناولت المظروف وانا افكر في أنني احتاج لنوع جديد من السجائر غير النوع القديم هذه اقصى درجات التغيير التي كنت اطمح لها في تلك الفترة، استلقيت على السرير، وفتحتُ المظروف، لأجد فيه رسالة مطوية وخاتم فضي.

"هل هو هذا الخاتم الذي تضعه على الطاولة كل يوم؟"
"لا ليس هو يا روزا، لقد تخليت عن ذلك الخاتم منذ وقت طويل!"
" اذا لمن هذا الخاتم؟"
"إنه خاتمك! لقد أتيتِ به منذ أول يوم"
فتحت روزا عينيها عن أخرهما باستغراب وهي تقلب نظرها بين رجل القهوة والخاتم، ثم قالت، ماذا كان في الرسالة؟
" جملة واحدة، ومبهمة! شكراً لك على فنجان القهوة، وعلى كل تلك الحكايات الجميلة"
عندها زاد اتساع عيني روزا وشعرت بشيء غريب داخلها ونظرت تجاه رجل القهوة وهو ساكن تماما، ثم قالت أرجوك أكمل..

لا أعرف ما الذي تملكني عندما فتحتُ الرسالة، كانت مبهمة وغريبة لكن هناك شيء ما بدأ يتوهج داخلي وأنا اقرأ تلك الكلمات، ظننت يومها أنّ تلك الفتاة أخطأت العنوان، فأنا لم أتناول معها شيء ولم أحدثها عن حكاياتي، لكن رغم الحماقة التي انتابتني إلا أن شيء وحيد غريب أردتُ فعله تلك اللحظة، قمت بارتداء الخاتم، وعندها لمعت في ذهني فكرة غريبة.. " ماهي" " رغبتُ حقاً بالتعرف على روزا..!

أرتديت ملابسي بسرعة وأخذت ادور بالغرفة محاولا تذكر كيف يمكنني ايجادها حيث أنّ أختها تم تخريجها من المستشفى وهي بحال جيد، ومن الصعب الان ايجاد تلك الفتاة فهي غامضة وغريبة ولا يمكن التنبؤ بحركاتها وبالتالي كان علي ان اعصر دماغي قليلا لأجد فكرة مجنونة تساعدني في ايجاد روزا!
"هل وجدت الفكرة؟" في الحقيقة ظننت بأنني سأجدها في المكتبة المركزية ولذلك خرجت ابحث عليها هناك بين جموع الكتب.. ولم اجدها!.. صرت أخرج كل صباح أتجه قبل ذهابي للمستشفى نحو المكتبة، كنت اجلس هناك وحيدا أقرأ كتاب واخرج بأخر ثم أعود مرة اخرى بعد انتهاء الدوام، وكنت اتحجج بالقراءة، ومن كتاب لكتاب صارت روزا اقرب لفكرة وهوس أكثر منها لأنثى، وصرتُ أعدُ الأيام، والكتُب..
بعد عدة كتب من القراءة سترغب بالمزيد، ستقرأ مئة كتاب بنهم شديد، ستكون فكرة عن نفسك وعن الناس من حولك، سترغب بالعزلة، وتقتني كتب في بيتك، بعد مئتي كتاب ستعشق القهوة وتدمن السجائر، بعد ثلاثمئة كتاب ستغدو متواضعا جدا وستبدأ بالبحث عن ذاتك عميقاً بين حروبك الصغيرة، بعد اربعمئة كتاب ستغدو الدنيا ضئيلة من حولك وسينشأ بينك وبين نفسك قبول عميق وستتصالح مع من حولك، بعد خمسمائة كتاب ستفكر بالكتابة، وهنا ظهرت روزا العزيزة.. 
كُانت فكرة القراءة حلت محل روزا، وكنت أجلس في زاوية المكتبة، أطالع كتاب قديم عن الكون، وكانت هي هناك تقف في مواجهتي على بعد عشرون قارئاً ولم انتبه لها الا عندما بدأت تتحرك عندها تحركت نظراتي بعيداً عن الورق في مواجهة الكاتب، ونظرت بعيني روزا وهي تمسك بين يديها بكتاب يماثل كتابي وتتجه نحوي بخطى خفيفة، ثم تجلس في مواجهتي وتقول لقد انتظرتك طويلاً!
كنتُ عاجزا عن الحديث حيث أنّ الذي انتظر هو أنا وهي لم تفعل شيء سوى الغياب وظهورها كان غريب حقاً وكلامها كان أغرب، هي لازالت تذكرني..
نظرت في عينيها، هي ادركت أنّ شيء ما تغير داخلي، فتداركت الموقف بنظرة حيوية نحوى المكتبة وقالت لم أكن أعرف أنك تحب أصدقائي! فنظرت ونظراتي تلاحق نظراتها وقلت لها لقد كانو اصدقاء أوفياء حقاً..
في الحقيقة كان ظهور روزا أمامي مفاجأ لدرجة أنني تذكرت شيء مهم، فأزلت شيء من يدي، وامسكت بيدها، ووضعت الخاتم الفضي في اصبع الابهام خاصتها ثم قلت لها، لقد نسيتي شيء مهم منذ أخر مرة!
وعندها ابتسمت بوجهي وقالت لي، كان يبدو أجمل على يديك يا دكتور.. لم أحب كلمة دكتور يوماً فهي جافة وتحمل فخاً داخلها، لذلك كنت امر على حالات المستشفى بزي مدني حتى لا يلاحقني المرضى ولا ذويهم، وكنت أخرج قبل أن تدخل تساؤلاتهم، وادخل قبل أن يذهلهم الظهور، أما مع روزا، كان للكلمة طعم أخر، حيث أنّ كل حرف كان يحوي قصة من قصصها ويخفي شيء ما عميق في داخلي..
قلت لها لماذا اختفيتي طويلاً، كيف لكِ أن تتركي رسالة مبهمة وخاتم ثم تختفي بدون أن تبيني السبب لذلك وتتركيني في ذهولي!
عندها قالت لي انت الذي اطلت علي يا دكتور، لقد تركتُ لك رسالة وخاتم وانت استغرقت كل هذا الوقت حتى تعيد الخاتم وتستحق الرسالة!
عندها نظرت لها وأنا اقترب منها بكرسيي نحوها وهي تتبتسم في وجهي وتقول لي، ألم تفهم مغزى الرسالة بعد؟
قلت لها : " شكراً على فنجان القهوة، وكل تلك الحكايات الجميلة " ثم ابتعدت بكرسيي قليلاً ونظرت نحوها بحذر، وقلت هل علي الأن أن اروي لك حكايات جميلة في لقائنا هذا؟ عندها ضحكت بصوت خافت، وقالت ستفعل ذلك يوماً ما بشكل أفضل، أما الان دعنا نشرب فنجان القهوة!
عندها استدعيت امين المكتبة بسرعة، وطلبت منه أن يجلب لي فنجان واحد واصريت عليه حتى كاد ان يصنعه من بن الكتب من حوله.. وبعد أن استقر أمامنا فنجان واحد، وضعت روزا الخاتم بجانبه، وبدأت تحدثني عن نفسها، و بدأت أتعلق أكثر بها، حتى تناسيت كل ما حولي، وهي تضحك بدفئ وتحدثني بقصصها الجميلة بكل حيوية، وأنا اراقبها عن كثب وحولنا ألاف الكتب تشهد على تلك اللحظة الملحمية...
يتبع...

الثلاثاء، 24 يناير 2017

رجل القهوة الجزء الثالث




الحياة عميقة جداً وهي ليست فقط الأحداث المتسلسلة التي تمر من حولنا ومعنا.. كل شيء مرتبط، ونحنُ من بين الارتباطات نفقد أنفسنا ثم نفقد طريق عودتنا، ثم ننسى كل ذلك ونحيا من جديد، نحن ببساطة مثل طائر الفينيق، نحسن النسيان! روزا عرفت رجل القهوة، رغم الفترة القصيرة التي عاشتها معه، رغم أنها لم ترى منه إلا جانب واحد من شخصيته الغامضة، لكنها عرفته حقاً، فرجلها عميق جداً لكنه هش وتستطيع أن تقرأه مع كل الحواجز التي يضعها حوله، ببساطة تستطيع أن تتخطاها جميعاً وتقفز من فوق لترى رجل حساس، سئم الحياة بحماقاتها، واعتزل البشر.. لكنك لن تستطيع فعل ذلك إلا عندما يسمح لك رجل القهوة أن تدخل كهفه، وهذا ما حصل مع روزا العزيزة..
بعد دخول رجل القهوة الغرفة السحرية التي يملكها، والتي لم تجد روزا بها اي شيء حقيقي، اختفت علامات التعجب عن وجهها وبدت عليها امارات الذهول، والذي حدث كالتالي.. يدخل رجل القهوة الغرفة السحرية بعد ان يدفع الباب ببطء، فيسري شعاع منير خلال الباب الموارب نحو الغرفة ليتسلط على روزا  الجميلة، وتكون هي واقفة بجمالها الخلاب، أمام طاولة رجل القهوة، فيتفاجأ الأخر، حيث لم يعتد روزا بهذه الوضعية، لكنه يبتسم نحوها ويقترب منها، ويجلس أمامها بشيء من الحذر، يضع الخاتم الفضي على الطاولة، ثم يتذكر شيء مهم جداً، لا تحلو اللقاءات بدونه، فيغمز روزا، ويتجه نحو البار، يضع غلاية الماء الساخن على عين مشتعلة، ثم يغلي الماء على مهل، وبهدؤه المعتاد، يضع القهوة لتفور وتملأ الغرفة برائحتة البن المغلي الطيبة، فينتبه رجل القهوة للرائحة كأنه يشمها لأول مرة ثم يحاول أن يسرق شيء منها بأنفه ويتناسى وجود روزا، لكن الاخيرة تفقد صبرها، رغم أنها عودت رجل القهوة على الصمت الطويل، إلا أنها الان وبشكل غريب ترغب بالحديث فقط، كأنثى تتحرق شوقاً للكلمات.. روزا تفتقد رجل القهوة رغم وجوده المكاني معها، فجأة صاحت في وجهه، وحركت يديها بشكل انفعالي قائلة "اجلس! لا أريد أن أفقدك.. فقط كن حقيقي وكن أمامي!"
رجلنا لم يعتد روزا تتحدث، فشهق امامها ثم أخفى انفعاله، وكأنّ الانفعال شيء غير محبب في قاموسه، ثم نظر في ساعته الذهبية للحظة وكأنه يخفي ذهوله بين عقارب الساعة، و تمتم تجاهها بكلمات منتقاة يبدو انه قرأها في كتاب ما من كتبه التي قرأها سابقاً فرجل القهوة، اعتاد القراءة وحده، والعزف مع الناس! "لا نحسن البدايات الا بها ياروزا.. انا احتاج ان ارتشف من نفس فنجانك.. من قهوتك .. من يومك.."
ابتسمت روزا، ونظرت تجاهه تحاول أن تكتشف ما الذي سيفضح كذبته، لكنها عندما حدقت قليلاً ساورها شعور بأنها تعرف حقاً رجل القهوة، بدأت تفكر مع نفسها، هل رجل القهوة يعرف شيء عنها ويخفيه لنفسه! اتجه رجل القهوة نحو الطاولة، ونظر نحو الخطوط المرسومة بعناية، ثم وضع يده عليها وكأنه يرغب بمصافحتها، وجائه احساس بأنّ الطاولة، والخطوط المحفورة عليها، وكل ما حولها، يحاول أن يذكره بتاريخ قديم عاشه وحده لم تسطره الكتب..

"القهوة نبيذ العشاق"، هكذا اضاف رجلا القهوة لروزا وهو يقدم لها فنجانه، ويجلسها على كرسيها، ثم يعود نحو كرسيه بهدوء ويجلس أمامها.. لم يعتد رجل القهوة روزا تتحدث، ولم يعتدها تشرب القهوة، لكن هناك نقطة في حياة أي شخص يصبح عندها مشوش وتأتيه فكرة بأنه لا يعرف أي شيء عن الأخرين، أو الحياة من حوله، رجلنا لا يبدو أنه يعرف شيء عن روزا، هو يرغب بها، يتحرق شوقاً ليسمعها، يحاول أن يشم أنفاسها بعد أن يصتادها من شباك رائحة القهوة، ويرمي كل مرة بطعم جديد محاولاً أن يدمجها بقصصه علها تسأله عن أي شيء خلالها، هو ذكي جداً ليدرك أن روزا عندما تتحدث سيكون جل حديثها عنه وعن قصصه التي رواها لها..

الطاولة القديم تبدو كقطعة شطرنج، وهناك لاعبان فقط، وكلاهما ملك، وأول حركة لكلا الطرفين هي كش ملك، رجل القهوة خلال لقائاته مع روزا التي ظهرت من اللاشيء، كان يعدها نحو سؤال مهم جداً وهو من أنتِ! وروزا عرفت من أول يوم أن هناك خطأ ما وأنّ وجودها هنا يعني عدم وجودها في مكانها الصحيح لكنها استمتعت بحسن صحبة صاحبنا، وحاولت أن تؤجل تساؤلاتها ليوم تكون فيه أكثر استيعاب للأمور.. روزا لم تتسائل كثيراً في البداية، فقد كانت شبه مصدومة، وكأنّ ذاكرتها مسحت تماماً ولم تعد تحتمل أي شيء أخر، لذلك حاولت أن تتناسى الأسئلة الأساسية للوجود مع رجل القهوة، واستمعت له، ولقصصه، وكونت فكرة عن شخصيته، لكن عند نقطة معينة، وجدت أنّ وجودها تعدى المكانية، فهي الأن في بعد أخر من الوجود، بعد تحصل عنده تغيرات كبيرة على مستوى الكون، والذرة، وجدت أنها في بعد الحُب! لهذا رغم الصمت الطويل، كل ما أرادت أن تقوله يوماً، هو كلمة واحدة فقط..

لو كان هناك فايروس يسمى فايروس الحب لبرّر الكثير من العشاق ألمهم وحمقهم، لبرروا، مشاعرهم المتناقضة ولبرروا تقبلهم للهزيمة، والانكسار بكل روح رياضية.... ببساطة وجود فايروس الحب يعني أنّ الرجل والمرأة ليسوا اكثر من مرضى، والأجمل من ذلك، لا أحد يرغب بالشفاء.. روزا تعتقد بأنّ فايروس الحب انتقل لها من فنجان قهوة الشخص المقابل، فهي لمسته، وارتشفته، ولم يتبقى لها إلا أن تستحم به! وربما لو طلبت ذلك لسكبه رجل القهوة عليها فوراً، هكذا فكرت مع نفسها..

بعد دقائق من الصمت، تحركت عقارب الساعة، فانتبهت روزا فوراً ورغم أنّ الأمر كان محير وصادم لرجل القهوة إلا أنه تابع النظر نحو روزا وكأنه يراقب انفعالاتها ويحاول أن يتذكرها لاحقاُ..
أما هي فكانت تظن بأنّ هذه الغرفة مجنونة مثل صاحبها الغامض، فهي لا تعرف أي شيء الأن، وكل ما تتمناه هو أن تستيقظ قبل أن تتورط أكثر بشيء لا يمكن الرجوع بعده... 
وضع رجل القهوة قبعته على الطاولة، فتغير لونها عدة مرات ثم عاد للون الكحلي المعتاد، لم يبدو أن رجل القهوة مهتم كثيراً بأمر القبعة لكنّه كان يحدق بفستان روزا بشيء من الاعجاب، ثم تراجع نحو الكرسي قليلاً واطلق تنهيدة طويلة، ونظر نحو يده ووجه نظره لروزا، التي فجأة بدأت تتحدث!
" كان الامر صعب علي في البداية، لا اعرف لماذا كنت صامتة جداً لكنك كنت هادئ أكثر مني.."
"روزا... بحق الله!، من أنتِ؟"
"لا أعرف، لكنٍ لدي فكرة عنك أنت"
"ما الذي تعرفينه عني؟"
"لا اعرف الكثير لكني اطلقت عليك لقب رجل القهوة، كما أن هناك شيء عميق يجذبني نحوك، لا أظن أن وجودي هنا مصادفة! لكن بقدر جهلي، أعتقد أن الاجابة تكمن عندك"
" أنا لا أعرف كيف جئتِ ومن أنتِ لكني اعتدتك يا روزا، ولدي خبرة قصيرة في الحياة تجعلني لا أتسائل عن الاشياء كثيراً، فأنا فقدتُ الكثير، وأرغب الأن بالعيش والعيش فقط يا روزا"
"لماذا أنت حذر جداً في العيش اذا! لماذا لا تتخلص من نفسك في الفراغ لتجدها تعود لك؟ ألا تعلم أنك حتى تجد نفسك لا بد أن تفقدها يا رجل القهوة!"
"روزا أنت تذكريني بشخص عزيز على قلبي.."
"بمن أذكرك يا عزيزي؟"
"تذكريني... بروزا!"

فجأة اقتربت روزا أكثر من رجل القهوة، وارتشفت من فنجانه، وهي تثبت النظر نحوه، ثم وضعت الفنجان على الطاولة بقوة وابتسمت وكأنها الأن تستعد لسماع قصة جديدة من قصصه التي اعتادتها، قصة بعيدة عن الخيال وأقرب للواقع، قصة ملحمية بطلها رجل واحد، رجل يشكل الأن شيء مهم لروزا... رجل القهوة..

اما هو، فتابع النظر نحو الساعة وكأنه يستعيد شيء ما حصل في الماضي، ويرغب فقط لو أنّ العقارب لا تخونه وتتراجع خطوة للوراء عله يكن أقدر على وصف شيء ما يهمه، ثم لمس الخاتم الفضي الخاص بروزا وقال لها بمثل هذا الخاتم قبل عدة سنوات، بدأت قصة جميلة، ككل الحكايات كانت لامعة جداً حتى اعتقدت أنني لن امل من الابتسام خلالها، لكن يا عزيزتي شيء ما حصل وبعدها تغيرت الامور يا روزا..
"ما الذي حصل؟"
"أولا ناوليني فنجان القهوة، فأنا الأن بحاجة لها أكثر من أي وقت مضى!"
ارتشف رجل القهوة من قهوته، من نفس المكان الذي ارتشفت منه روزا قبل أن تتحدث، وكأنه كان يحاول بذلك أن يستمد من قوتها لقوته، حتى يستطيع أن يحدثها بقصته الخاصة، ثم قال لها
"اعتدتُ المجيء باكراً بتوقيت الحُب"
يُتبع...

الاثنين، 16 يناير 2017

رجل القهوة الجزء الثاني

رجل القهوة
اعتدتُ المجيء باكراً بتوقيت الحُب.. شيء ما يشدني نحو روزا.. سابقاً كنت اقل انجذاباً نحو الحياة، كنت الرجل الذي أرهقته الايام وتعداها نحو تكوين فلسفة خاصة تزهد في كل شيء وترغب بالوحدة! خضت حروبي الخاصة، وقاومت اللإنزلاق نحوا التريدميل الحياتي حيث لا ينتهي الا بمنعطف الموت.. وكنت سعيداً بوحدتي، الحياة يعني أن تتألم وهي ليست سهلة، وكلما كنت محاطاً بأقل عدد من الناس كلما قلت الخسائر، لكن عند لحظة معينة ظهرت روزا من العدم! وعندها تغير كل شيء! شعرت بأن الاله يعاقبني لفلسفتي الخاصة، وأنني لست بدعاً عن سابقي، فكلنا نبني قلعة من الاوهام نختفي داخلها ثم يأتي شخص يطرق الباب.. وأنا لم أكن أحب طرق الأبواب.. روزا ماذا فعلتي بي! أبعد كل تلك السنين من الهجر والحروب وقراءة الكتب أتيتي لتوقظي شيء مات في داخلي، الم تجدي غيري فخرجتي من رماد قهوتي ودخلتي قلبي وشققتي عني.. أنا تائه يا روزا وأنا متجه نحوك...

اعتدتُ كل صباح أن اتجه نحو البار الذي بنيته انا بنفسي، طوباً طوباً وكأساً كأساً.. لم أكن أدع احد يبني شيء خاص بي، ولكني في يوم ما وجد شخصاً استهلك الفراغ فيه وظهر من المجهول على كرسي واحد، وأمامه طاولتي المفضلة، القديمة والمتهالكة، والمحفور عليها الكثير من الخطوط، كنت كل يوم احفر على خشبها المتهالك بخط جديد يعني يوم اخر اقضيه وأنا أنا أذكر تماماً متى بدأتُ الحفر، وتلك قصة أخرى.. أما منذ ذلك اليوم الملون بروزا، توقفت عن الحفر، يومها غارت الطاولة، وربما انتظرت أن احفر على مكان اخر، ربما قلبي!

ظهرت روزا من المجهول، بدون دعوة وفجأة، كما كنت أحب أن أقابل الناس، لم أكن أقابل أي احد عن سابق معرفة او دعوة، ولم اكن ادخل عليه بالإذن، كنت أفاجأ كل شخص ارغب بمكالمته، أدخل له من حيث لا يتوقع، اواجهه، ولا انتظر، وهكذا كان الناس يعرفونني رجل المجهول، لا تتوقع متى يأتي ولا كيف يأتي، أما روزا فعرفتني برجل القهوة، حيث هناك دوماً فنجان واحد يفصل تاريخين!
لماذا ظهرت فجأة، ولم تعطيني ترف البداية، ربما لأني كنت أتي دوماً في المنتصف، فأتت هي في النهايات، وهذا جعلني اضع علامات استفهام على ظهورها! اعني كيف لشخص ما ان يظهر من العدم، في قلعتي الخاصة، حيث لا يملك أحد مفتاح الدخول.. هل أعطيتها مفتاحي الخاص في حياة أخرى أو عالم موازي؟ ام هي ربما تملك كل المفاتيح في العالم، واختارتني انا حيث هناك العزلة ترافقني! وربما هي مجرد جنون في خيالي، او فكرة خفية تركتها لغبار الزمن ثم ظهرت تقاتلني على كل ذلك التاريخ المتروك وحده.. وأنا لم اظن يوماً أنّ هناك فرصة اخرى يمكن أن تعطى لشخص بائس، أما بظهور روزا، بدأ شيء جديد يتكون، وخيط رفيع يرسم، كأن العالم الذي أعرفه تنكر لي وبدأ يقابلني بجنون من نوع أخر، جنون روزا!

كل صباح اتجه نحو عرش روزا الجديد، مكاني السابق! ثم اقترب من حلقة الباب وامسكها بيدي، ويساورني شعور قاتل بأن علي طرق الباب كما لم افعل سابقاً.. ثم انهي الموضوع بتصرف عملي وحيواني من خلال الدخول عنوة بدون سابق انذار، فأجدها على الكرسي الثاني، الذي اعدت ان اراه فارغاً في مواجهة الطاولة، وأمامها اللاشيء، فأملؤه، بفنجان قهوة من الحجم الكبير، لها! وربما لي انا.. وأضع على الطاولة خاتم فضي يخصها وانتظر ان تفتح عينيها ليشرق قلبي..

أذكر ذلك اليوم جيداً ... بداية معرفتي بروزا، عندما كنت متجها لمخدعي السري كعادتي، مكاني المفضل، البار الخاص برجل القهوة، لا يدخله الا هو ولا يشرب قهوته الا هو، ولا يملئ فراغه الا هو!
يومها كنت بائس جداً و افكر في شرب كل مخزوني من القهوة، ربما اغط في نوم عميق بعدها ولا استيقظ الا كالسكارى الذين فقدوا اعز ما يملكون، فقدو عقولهم.. احتجت أن افقد عقلي قليلاً، ألا يصيبكم شعور بالرغبة بالنسيان احياناً؟ خصوصا عندما تكونون أكبر من حاضركم وأقل من ماضيكم ولا تعلمون هل هناك في الفراغ القادم كرسي لكم للانتظار؟
يومها وقفت أمام الباب وعلى سبيل السخرية، امسكت بالحلقة وطرقت الباب! شعرت بأنني احمق ويومها فقط وجدت روزا!
فتحت الباب، وفوجأت بشبح شخص ينتظر في الظلام، فصرخت من هنا ولوحت امامي بمسدس شخصي من نوع الربع غالي الثمن والذي من النادر الحصول عليه فشعرب بالفخر للحظة لأنني ارفع مسدسي في وجه اللاشيء ثم انعمت النظر لأجد جمال رباني متربع امام طاولتي ويغط في نوم عميق ويمسك بيده الصغيرة خاتم فضي يلمع وسط العتمة!
عندها اخذت اصرخ بوجه روزا ان تستيقظ، ولم تفعل، فحركتها فكادت ان تقع، فشعرت بارتباك لم اكن اشعر به قبل ذلك! ثم جلست امامها عدة ساعات ولم تفق! فقررت أن أخذ روزا الى بيتي.. غير أن الرياح لا تجري كما تشتهي انت ولكن لها بروتوكولها الخاص اذكر أنني امسكت بيد روزا وأخذت الخاتم منها  ثم بلمح البصراختفت روزا.. كفكرة، كحلم.. اختفت، وشعرت عندها بشعور لم اكن احبه... الفقدان...
شددت يدي على خاتمها ونظرت عالياً نحو السقف القديم وصرخت في الظلمة وبأعلى صوتي،" لقد نسيتي شيء يخصك، وان كان يهمك ستعودين له! يا فتاة المجهول سأنتظرك!"

ظننت بأنني فقد عقلي، وأن روزا هي مجرد هلوسة او خيال فكيف لفتاة ان تظهر من العدم وتختفي للعدم! ولم أكن أؤمن بالخرافات، فظننت بأنني فقد عقلي، وأنّ الحياة تسلبني نفسي بالتدريج.. فنظرت جهة الخاتم الخاص بالفتاة، وفجعت لما وجدته.. كان مكتوب عليه "روزا" عندها تيقنت بأنني فقدت نفسي وسط العتمة وأن ظهور النور ما هو الا محض اضطراب نفسي..
تناسيت روزا ووضعت الخاتم بجيبي رغم أنني لم أصدق بوجود شيء من ذلك الشبح الذي ظهر فجأة.. والحياة تمضي بكل ما فيها من احداث وقد تكون أنت احياناً واقف في نقطة ما من الزمن ولا تريد المضي قدماً ثم تتدارك الزمن وتجري بكل ما تملك من قوة حتى تدرك نفسك قبل أن يفقدك الأخرون..

أحببت فكرة ظهور تلك الفتاة التي أعادت شيء ما داخلي نحو الحياة وتمنيت أنها حقيقية، فكيف أكون أنا حقيقي وهي خيال ربما أنا مجرد خيال في عقلها وهي ظهرت لتعطيني اشارة بأنني لستُ وحيداً...

في صباح اليوم التالي، عدت نحو البار وأنا امارس السكر مع فنجان القهوة، غير مبالِ بما حصل وكأن روزا كانت كذبة ابتدعتها للحظة لأخفف من عزلتي وأشاهد الفراغ يمتلئ بأنثى من نوع أخر، شخص يشبهني عندما لا يراني أحد، عندما أكون منعزلاً وأمامي طاولتي، وفنجان قهوتي، وكتاب لأقرأه وحدي... وعندما فتحت الباب عنوة خالٍ من الأمل وجدت روزا أمامي عادت من اللاشيء لتستمع لقصتي.. أنا رجل القهوة! وهي نائمة كما رأيتها أول مرة...
هل لأنني أعتدتُ القراءة وحدي ظهرت هي لتأنسني، أم تراها هاربة مثلي ولم تستطع بناء مخدعها الخاص فقتحمت علي عزلتي، هل روزا ضلت الطريق، ام أن القدر اختار لها عذاب من نوع رجل القهوة! 

 ومنذ ذلك اليوم وأنا استيقظ كل صباح ولا أعرف لماذا، ولكني احث الخطى نحو المجهول كل يوم، وأنا الذي اعتدت الحقيقة، ترني اغرق في كذبتي، هل روزا هي كذبتي المفضلة؟ التي اخترت ان تشاركني عبث الايام، لعلها تجد في وجودها معي متعة ولعلي اشبع بها نزواتي الشخصية..
وكلما وقفت امام باب البار لم اطرق الباب، ولكني اقف لدقائق امارس الصمت مع نفسي واستشعر حجم الفاجعة التي اعد نفسي لها في حال أنني لم اجدها تجلس كما اعتدها.. وكلما مرت الأيام استيقظت روزا شيء فشي، ونظرت نحوي بشيء من الخجل وهي تراني احدثها بكل شء قرأته وعشته وأتلو عليها قصصي وحروبي مع نفسي والعالم، وكلمما تجرعت أكثر كلما استيقظت أكثر، وكأنها مع الوقت تملكني، فتشرب من فنجان قهوتي، وتعبث بيدي، وتسترق النظر نحوي وتنمو، روزا تنمو وتمتلئ بي، وأنا من أول نظرة امتلأت بها..

ومع الأيام أتناسى بدايات روزا وأنها ظهرت من اللاشيء، وحتماً ستختفي يوماً ما.. واعيش معها كل يوم بيومه، أنقل لها تجربتي وأنتقل لها من عزلتي وتستيقظ..
وكلما مر الوقت اصبح فستانها أزهى من قبل، فانعكس على قبعتي، وأصبحت أجمل وأكثر حيوية، وأنا اشتد قرباً وشوقاً..
هل ستتحدث معي روزا عندما تكتشف أنه لم يتبقى مني شيء، وهل سترضى برفقتي بعد أن تصل للوعي الكامل بشأن المرحلة.
لم أطرح أي سؤال عليها، ولكني أنتظر أن تحادثني بنفسها وتلقي علي بتعويذتها الجميلة..

وها أنا أقف أمام الباب، اتنكر لتاريخي الماضي واستمتع بالصمت لعدة لحظات قبل أن أفتح الباب وادخل عنوة كما اعتدات روزا النائمة..
أفتح الباب، واتركه يشق طريقه نحو النور، ثم اتجه بنظري نحو شبح شخص يقف امام الطاولة القديمة، تبدو عليه امارات الانزعاج والاشتياق.. روزا واقفة وتنتظر ويبدو انها ستتحدث! لم أكن من النوع الذي تظهر عليه المفاجأت لكني يومها تفاجأت حقاً ووقفت شبه مصدوم ولشدة الصدمة اتجهت نحو كرسيي وألقيت بثقلي عليه .. امام روزا.. ووضعت خاتم الفضة خاصتها على الطاولة ثم تذكرت أن الحديث لا يحلو إلا بفنجان القهوة، فاتجهت لأصنع فنجان قهوتنا... وعندها حصل شيء مذهل جعلني أفتح عيني عن أخرهما..وبكل غرابة الدنيا.. تحدثت روزا...
يتبع...

الاثنين، 9 يناير 2017

رجل القهوة


نتيجة بحث الصور عن ‪couples coffee‬‏




كانت دوما تجد نفسها في منتصف المحادثة، لم تعرف البداية قط.. في كل مرة تفتح عينيها تجده امامها على طاولة مربعة، يدردش معها، أمامه فنجان قهوة من الحجم الكبير، وخاتم فضة يضعه بجانب الفنجان. لم ترى عينيه أو وجهه سابقا، لا تعرف من هو، فقط ترى يداه تتحركان وهو يحدثها بأسلوب مشوق عن كل شيء، كل ما تعرفه أنه يبدو رجل أنيق جداً، يرتدي بذلة كحلية اللون، يخرج من طرف كمها قميص ناصع البياض، وساعة قيمة جداً، كان يضع قبعة كل مرة تكون مختلفة اللون، في بعض المرات رأته يرتدي قبعة زاهية الألوان، كانت تعرف مزاجه من خلال قبعته، فالقبعة الزاهية تعني أن مزاجه طيب اليوم، والقبعة القاتمة تعني أنّ مزاجه معكر، والقبعة البيضاء تعني أنه يرغب بالراحة فقط، والقبعة الحمراء تعني أنه غاضب، والقبعة السوداء تعني أنه مقدم على عمل خطير، وعندما يرتدي قبعته الكحلية تعرف بأنه يرغب بمحادثة عادية.. أحياناً سريعة..

لم تكن تعرف من هو، والأخطر من ذلك أنها لم تكن تعرف غيره! كيف لها هذا، كيف لها أن لا تعرف في الدنيا الا شخص واحد، وفي نفس الوقت أن لا تعرف من هو هذا الأحمق!

حتى المقهى الذي تجلس فيه لا يوجد فيه أحد للخدمة، كانت دوما تفتح عينيها لتجد يديه يتحركان امامها مثل يدا موسيقار مشهور يعزف الحان مشوقة على وتر الكلمات.. كانت تعشق صوته القريب من قلبها..

أحيانا تتسأل لماذا هي من دون الناس جميعهم تعرف رجل القهوة، وكيف لها أن لا تنظر نحوه، هل هو مجرد خيالات في رأسها؟ او ربما هي مجرد خيالات في عقله!

كل مرة كان يتحدث بموضوع جديد، لا تعرف معظم الذي يحكي لها عنه، كان يحكي لها عن التاريخ والسياسة والحروب، والاقتصاد، ومشاكل البطالة، والارهاب وداعش والافلام الجديدة وتاريخ الارض وأمريكا، والحيونات، ومشاكله في العمل، والناس من حوله والافكار الجديدة... أحيانا يروي لها حكايات ويربت على يديها بلطف.. تدرك عندها أنه يحتاج لعناق طويل... كم كانت هي ترغب به.

حدثها مرة عن الرقص، وكيف أنه يمكنه مراقصة جميع النساء مجتمعين ولا يذرف قطرة عرق واحدة.. وحدثها مرة عن خبرته باستخدام الأسلحة الفتاكة  بأسلوب حضاري وبرستيج! وحكى لها عن قصصه تحت الماء وعن محاولاته المستميتة لاصطياد قرش بحر بيد واحدة..!
كانت تصدق كل كلمة يقولها وتبتسم في وجهه .. تومئ له وتمسح بإصبعها طرف فنجان القهوة بشكل دائري وتنظر في خاتم الفضة..
لم تكن تنبث ببنت شفة، لم تكن تتحدث!

هو، أحيانا كان يرى غنج في عينيها، وأحياناً كان يرى انعكاس لحزنه في صفحات وجهها.. كان يعشقها ولا يدركها.. كأنها سراب أمامه، وفي كل مرة يختار قبعة تناسب لون فستانها الذي ترتديه، كان فستانها يدل على مزاجها، كلما كانت زاهية الالوان كلما كانت بمزاج ممتع وكلما كانت قبعته اجمل، ببساطة كانت قبعته مرآة لألوانها ومرآة لها..

كان يذهل باببتسامتها.. يفقد عقله.. يصبح أقوى رجال الأرض ويحدثها عن قصة أخرى أغرب من الخيال.. وكلما تعمق في المغامرة، كلما كانت اكثر شوقاً واستشرافاً له.. لم يدرك أنه يأسرها بتلك الكلمات ويجذبها نحو افكاره..
وكل ما كان بينهما هو قصصه، وقبعته، وفستانها، وخاتم الفضة، وفناجن القهوة، والكثير من القبول..
وكل ما كان يفصلهما، هو وجود طاولة قديمة متهالكة وكانت تعني الكثير..

نحنُ نُحدث الشيء الذي نفتقده يا عزيزتي، كانت هذه كلماته المشهورة. لم تفهم يوما ما يقصد..

مع الوقت ازدادت اكتشافاً لنفسها معه، كانت كل لقاء ترتشف شيء من قهوته، تسمع شيء من حديثه، تداعب خاتمه، تنظر إلى يديه قليلاً، تحاول استراق النظر شيء فشيء نحو وجهه، وكل مرة يصلها فكرة جديدة عن نفسها.

في احد الايام قال لها، نحن لا نكتشف انفسنا إلا مع الشخص الذي نحبه، ونحن لا نصبح أناس أفضل إلا مع من نحب.. في ذلك اليوم رأته يردد بين شفتيه كلمة مألوفة، سمعته يردد أسمها.. سمعته يقول "يا روزا" 

"ما هي الحياة إلا عبارة عن فيلم درامي كبير مليء بتفاصيل مملة.. هذه التفاصيل، هذه المحادثات، هؤلاء الناس يصنعوننا.. روزا نحنُ لا نكبر مع الزمن، نحنَ يا عزيزتي .. نكبر بمرور الناس.."
كان عليها كلما ذكر اسمها ان تسترق النظر نحو شفاهه وان تبتسم..

الحب يعني التوحد... التوحد في كل شيء.. في كل التفاصيل.. بدأت تتسرب لروزا افكار غريببة عن الحُب، وهو لم يذكره في حكاياته كثيراً.. هو كان يدور حوله بكل ما يملك من قصص ويلتف عليه.. ثم تفضحه، قبعته، فنجان قهوته، يداه، حتى الطاولة العتيقة كانت تصرخ بشيء ما.. شيء تحب روزا ان تتذوقه..

كان تعشق قبعته، ولا تدري ما سر تغير لونها بحسب مزاجه، وكان لا يرى إلا فستانها.. يحدق به طويلاً ثم يرتشف فنجان القهوة، احيانا كان يلمح فنجان القهوة بين شفتيها فيذهل..

 التفاصيل لا تهمنا إلا عندما يهمنا شخص ما، هكذا كانت تفكر، وبهذا كان يؤمن..
ربما يستطيع الزمن أن يحل الكثير من الامور، لكنه يفضحنا، يكشفنا بكل تفاصيلنا ويعرينا عن الحقيقة.. الزمن قرب روزا من أشياءه وقربه من نفسه وقربهم من اللاشيء ونحو شيء عميق .. جداً...

في يوم ما فتحت عينيها كما اعتدات دوما فلم تجده، وهذه اول مرة لا ترى نفسها في منتصف اللقاء.. ربما تكون اول مرة ستكون فيها في  بداية اللقاء هكذا فكرت.. يومها انتظرت كثيراً... ثم اخذت تحدق في الغرفة، تنظر اليها بتمعن، ثم تحركت من مكانها وسارت في درب لم تسره يوماً واخذت تتفحص الحياة من حولها.. كل شيء كان غير حقيقي، لا الطاولة، ولا فناجين القهوة على البار، ولا التلفاز المعلق، ولا الحائط ولا شيء، كل شيء كان اقرب للسراب، لا شيء تلمسه، هل هذه حياتها؟ هل هذه حياتنا؟

اخذت تحدق في ساعة الحائط، لم ترها تتحرك يوماً، " كيف للوقت ان يشفي اي شيء اذا كان عليلاً" بهذه الكلمات تفوهت.. والتفت نحو نفسها ودارت باتجاه الطاولة.. "لماذا انا غير متعجبة مما يحصل؟ لماذا لم افكر يوماً بالحياة خارج الغرفة؟" دارت روزا في افكارها، واستغربت من فكرة ان تكون هي فكرة، والاغرب من ذلك ان تكون هي فكرة تفكر، لكن ماذا ان كانت هي فكرة حقاً؟ ماذا لو لم يكن رجل القهوة الا حاجتها من الحنان؟ ابتدعتها حتى تستطيع ان تواصل اشتعالها، اختلقت وجود فكرة مكملة حتى تستطيع ان تحترق بشكل اكبر! دعونا نفكر بشكل مختلف قليلاً الأن.. ماذا لو كان رجل القهوة حقيقي وروزا من بنات افكاره...

لو كان لروزا يومها ان تغمض عينيها وتنام لفعلت، لكنها اكتشفت انها لن تستطيع فعل ذلك، لقد طار النوم بعيداً، وحل محله التوجس، ورغم ان الوقت كان متوقف نحو الساعة السادسة الا انها أحست بأن الزمن يسير بسرعة، وأنه فاتها الكثير، وتمنت لو انها فقط تفتح عينيها لتجد امامها فنجان القهوة، فحاجتها اليوم للقهوة تعادل حاجتها للحياة..

الانتظار صعب عندما تكون وحيدا.. الانتظار يعني ان تهمل تفسك وتتوقف عن العيش حتى يصل شخص اخر.. هو ان تبتدع نقطة حياتية جديدة بعيدة عنك تشترط حصول حدث معين.. الانتظار يعني موت مؤقت.. روزا انتظرت طويلا..

وانفتح الباب ودخل رجل مكتمل البنية جميل الشكل يرتدي بذلة كحلية يخرج من كمها قميص ناصع البياض وعلى رسغه ساعة قيمة.. شخص تعرفه روزا.. كانت مذهولة.. لقد انتظرت طويلا لكن الساعة لم تكن تتحرك.. لقد كبرت روزا ولم تكبر.. لقد انتظرته وهو لم يخذلها... دخل عليها بأسلوب أنيق.. لم يطرق الباب يبدو انه لم يعتد طرق الأبواب.. هو يدخل فقط.. يترك ظله خارجا.. لم يكن يحب الغرباء ثم يمشي نحو روزا مبتسما ويجلس أمامها... يخرج خاتم فضي من جيبه ويضعه على الطاولة.. يذهب نحو البار .. يمسك أحد فناجين القهوة الغير حقيقية فيستحيل لفنجان قهوة رائع.. يشغل الراديو الصباحي ليخرج صوت موسيقى هادئ.. ثم يقترب من روزا ويقول لها " يبدو انك استيقظتي ايتها الأميرة النائمة. لقد انتظرتك طويلا!"
شعرت روزا بأنه يخدعها.. هو لم ينتظر.. هي التي انتظرت.. لكن ماذا لو تسرعت روزا.. ماذا لو كان رجل القهوة في موعده المعتاد.. لكنها استيقظت مبكرا...
صاحت في وجهه.. اجلس! لا أريد أن أفقدك.. فقط كن حقيقي وكن أمامي!

"لا نحسن البدايات الا بها ياروزا.. انا احتاج ان ارتشف من نفس فنجانك.. من قهوتك .. من يومك.."
عندها التمعت عيني روزا وفهمت شيء خطير عن رجل القهوة..
يُتبع..