في مكان ما من العالم، هناك قرية صغيرة تقع في مكان نائٍ يعيش اهلها حياة
بسيطة مليئة بالحب وخالية من المشاكل، ويعيش فيها
صنفان من المخلوقات الجذابة، الناس والبالونات. والمميز في القرية، أنّ البالونات
ليست بالونات عادية، فهي بالونات حقيقية، تشعر وتمتلئ بهواء المشاعر وغبار الحياة،
فعندما تفرح تنتفخ فرحاً وعندما تحزن تنكمش حزناً وعندما تخجل تحمر، وعندما تغضب
تصفر، والبالونات مخلوقات صادقة لا تستطيع ان تخبئ مشاعرها، وأجمل ما فيها إخلاصها
لسيدها، فكل بالون يعشق أُمه الأولى حتى لو كانت رجُلاً..
والناس في البلدة تعشق البالونات وتضعها في
كل مكان، تربيها وتحيا معها، وتنتقيها كما تنتقي ابنها المستقبلي وتعاملها بمنتهى
الحُب ،
والبعض يضعها داخل كنزته الشتوية حتى تمتل بالدفء وتكبر بسرعة. أحدهم يقول "
ما أجمل أن تحيا حياة قصيرة مليئة بالبالونات!"
ولكن في القرية هناك تقليد شعبي يأتي كل عشر
سنوات يقوم فيه أهل القرية بانتقاء أجمل بالوناتهم ويطلقوها في الهواء الطلق لتذهب
وتنشر النور في أقطار العالم، بالونات مليئة بالحب وعاشت حياة لطيفة ومسالمة..
ولكن البالونات عندما تذهب للعالم لا تعود
حقيقية، ولا تستطيع عندها ان تنتفخ وتتلون
مع اختلاف الوان المشاعر، ورغم ان اهل القرية يعرفون ذلك الا انهم كانوا يرغبون بمشاركة العالم ما يملكون
من مشاعر صادقة عبر بالوناتهم المخلصة..
أما أمل فكانت تخشى قرب هذا اليوم، فهي تعشق
بالونها بشكل كبير، ترغبه في النهار عندما يأتي الليل، وفي الليل عندما يشرق
النهار، تحادثه عن أفراحها فينتفخ حباً، تشاركه مشاكلها فيومئ لها بالحلول الحكيمة
عندما تعجز أكبر عجائز البلدة عن الاتيان بحل خارق للعادة، فبالون أمل ليس ككل
البالونات، هو بالون يستطيع أن يملك قلبك حتى لو كنت تبكي. ويملك عقلك حتى لو كنت
في منتصف حل مشكلة رياضية صعبة الانجاز..
وعندما بلغت أمل العاشرة من العمر، اي بعمر بالونها الجميل، اقترب اليوم الموعود لإطلاق البالون، فجلست أمل مع
البالون المنتفخ حباً بها، واخذت تعانقه وتبكي لأجله، وهو ينتفخ بكل ما في أمل مشاعر فياضة، كان الصباح مشرق، وكان الوقت مناسب لغناء العصافير القادمة من شمال المحيط اغنية الهجرة، وكانت زعانف الحيتان الفرحة تعبث بالبحر والدلافين المشاغبة تداعب البالونات المائية..
امل تعرف بالونها فهو ملتصق جداً بها، ولأنها لا تريد أن تفقده، ولأنها لا تستطيع ان تعيش في حياة خالية منه، فأخذت
تقنعه بالهرب معها بعيداً والعيش حياة حُرة، حياة حقيقية مليئة بالتجارب، حياة لا
يوجد فيها طقس كل عشر سنوات يتخلصون فيه مما يحبون ويطلقونهم بعيداً عن قلبهم! ليفقد
قدرته على الحياة ويصبح أقرب للجماد..
كانت كلمات امل حزينة ولكنها تمس القلوب فأخذ البالون ينتفخ بقوة المشاعر، ومع انتفاخه يضغط على ما حوله من اشجار وصخور، ولكنه كان يعانق أمل فلا يلبث الا ان يحتمل الالم وينتفخ اكثر وأقوى مما كان ومع كل انتفاخ يضيق بالمكان
حتى بدأ حجمه يفوق حجم جميع البالونات، وبدأ يظهر للرائي عن بعد كيلومترات بعيدة.
وهذا لم يوقف أمل التي تجهد في اقناعه بضرورة الطيران معها، فإن كان لابد من
الانطلاق في العالم، فلتنطلق معه ولينطلق معها ولتيشاركوا قرب المساحة!
البالونات مخلوقات ذكية، وتحب سيدها وتخلص
له، ولو كان بالون أخر الذي تكلمه أمل ربما انطلق قبل أن تنهي جملتين، وربما انفجر
في وجهها مبعثراً تجاهها كل هذا الكم من الحب، فالحب ينفجر قبل النهاية دوماً ليطبع علينا علامات الاخلاص قبل النهاية.. بالون أمل كان حكيماً لدرجة
الصمت، ومُحباً حتى أصبح بحجم قريتها الصغيرة..
فأخذ ينفخ وينتفخ وتلتصق به بالونات القرية، وتتبعه بالونات المحيط
وبالونات الغابة، لدرجة أنّ جميع أهل القرية التفوا يشاهدون غرابة المظهر حتى خرج
من بينهم أكبرهم سنناً وصاح مبتهجاً بالوننا المختار!
هناك اسطورة قديمة تقول بأنّه سيعيش في
القرية بالون مختار، سيأتي عليه يوم يتطور ليصبح بحجم العالم وينشر البالونات في
كل مكان. والغريب أنّ أهل القرية لم يصدقوا أنّ بالون كهذا سيخرج من قريتهم،
وتحديداً من بيت الخباز الفقير، بيت أمل الجميلة..
أمل استغربت مما حصل وقالت له " هل هذا
هو مصيرك يا صغيري، أن تصبح أكبر من أكبرهم، وأحكم من أحكمهم، حتى تستطيع التغيير،
هل لكي لا تذهب وحيداً تأخذ الجميع معك، صدقني لو أنّ كل بالونات العالم انطلقت في
طريق وانطلقت انت في طريق اخر لتبعتك حتى لو كانوا يعرفون طريق الخلاص وانت تتقفى
الاثر"
عندها نظر تجاهها وسحبها معهه ليحملها حتى
أصبحت فوق السحاب، ولأول مرة تحدث، بصوت لم يسمعه غيرها، صوت جهوري جداً سمعه كل
بالون في العالم وقال " أمل يا عزيزتي، أنا فقط أصبحت البالون المختار لأجلك،
لا لكي لا أصبح وحيداً ولكن لأننا عندما ننطلق في الحياة، لا ننسى أمنا الاولى ولا
نعود بالونات حقيقية كما كنا، فقط نصبح بالونات عادية، أما معكي فأنا حقيقي حتى
الثمالة، ومنتعش حد الاجهاد، وهنا ننطلق بقوة الحب الأبدي بين البالونات
والبشر"
في اليوم التالي كان البالون المختار قد حمل
كل القرية ومن فيها بكل بالوناتهم في اليوم المقدس، وانطلق مع بالونات البحر والجو
والبر ينشر بالونات منتفخة بالحب تملئ العالم، وترسم وجه جديد لعالم يمتلئ
بالبالونات الملونة، عالم حقيقي، كله أمل.. وبالوناتها..





