رجل القهوة
اعتدتُ المجيء باكراً بتوقيت الحُب.. شيء ما يشدني نحو روزا.. سابقاً كنت اقل انجذاباً نحو الحياة، كنت الرجل الذي أرهقته الايام وتعداها نحو تكوين فلسفة خاصة تزهد في كل شيء وترغب بالوحدة! خضت حروبي الخاصة، وقاومت اللإنزلاق نحوا التريدميل الحياتي حيث لا ينتهي الا بمنعطف الموت.. وكنت سعيداً بوحدتي، الحياة يعني أن تتألم وهي ليست سهلة، وكلما كنت محاطاً بأقل عدد من الناس كلما قلت الخسائر، لكن عند لحظة معينة ظهرت روزا من العدم! وعندها تغير كل شيء! شعرت بأن الاله يعاقبني لفلسفتي الخاصة، وأنني لست بدعاً عن سابقي، فكلنا نبني قلعة من الاوهام نختفي داخلها ثم يأتي شخص يطرق الباب.. وأنا لم أكن أحب طرق الأبواب.. روزا ماذا فعلتي بي! أبعد كل تلك السنين من الهجر والحروب وقراءة الكتب أتيتي لتوقظي شيء مات في داخلي، الم تجدي غيري فخرجتي من رماد قهوتي ودخلتي قلبي وشققتي عني.. أنا تائه يا روزا وأنا متجه نحوك...
اعتدتُ كل صباح أن اتجه نحو البار الذي بنيته انا بنفسي، طوباً طوباً وكأساً كأساً.. لم أكن أدع احد يبني شيء خاص بي، ولكني في يوم ما وجد شخصاً استهلك الفراغ فيه وظهر من المجهول على كرسي واحد، وأمامه طاولتي المفضلة، القديمة والمتهالكة، والمحفور عليها الكثير من الخطوط، كنت كل يوم احفر على خشبها المتهالك بخط جديد يعني يوم اخر اقضيه وأنا أنا أذكر تماماً متى بدأتُ الحفر، وتلك قصة أخرى.. أما منذ ذلك اليوم الملون بروزا، توقفت عن الحفر، يومها غارت الطاولة، وربما انتظرت أن احفر على مكان اخر، ربما قلبي!
ظهرت روزا من المجهول، بدون دعوة وفجأة، كما كنت أحب أن أقابل الناس، لم أكن أقابل أي احد عن سابق معرفة او دعوة، ولم اكن ادخل عليه بالإذن، كنت أفاجأ كل شخص ارغب بمكالمته، أدخل له من حيث لا يتوقع، اواجهه، ولا انتظر، وهكذا كان الناس يعرفونني رجل المجهول، لا تتوقع متى يأتي ولا كيف يأتي، أما روزا فعرفتني برجل القهوة، حيث هناك دوماً فنجان واحد يفصل تاريخين!
لماذا ظهرت فجأة، ولم تعطيني ترف البداية، ربما لأني كنت أتي دوماً في المنتصف، فأتت هي في النهايات، وهذا جعلني اضع علامات استفهام على ظهورها! اعني كيف لشخص ما ان يظهر من العدم، في قلعتي الخاصة، حيث لا يملك أحد مفتاح الدخول.. هل أعطيتها مفتاحي الخاص في حياة أخرى أو عالم موازي؟ ام هي ربما تملك كل المفاتيح في العالم، واختارتني انا حيث هناك العزلة ترافقني! وربما هي مجرد جنون في خيالي، او فكرة خفية تركتها لغبار الزمن ثم ظهرت تقاتلني على كل ذلك التاريخ المتروك وحده.. وأنا لم اظن يوماً أنّ هناك فرصة اخرى يمكن أن تعطى لشخص بائس، أما بظهور روزا، بدأ شيء جديد يتكون، وخيط رفيع يرسم، كأن العالم الذي أعرفه تنكر لي وبدأ يقابلني بجنون من نوع أخر، جنون روزا!
كل صباح اتجه نحو عرش روزا الجديد، مكاني السابق! ثم اقترب من حلقة الباب وامسكها بيدي، ويساورني شعور قاتل بأن علي طرق الباب كما لم افعل سابقاً.. ثم انهي الموضوع بتصرف عملي وحيواني من خلال الدخول عنوة بدون سابق انذار، فأجدها على الكرسي الثاني، الذي اعدت ان اراه فارغاً في مواجهة الطاولة، وأمامها اللاشيء، فأملؤه، بفنجان قهوة من الحجم الكبير، لها! وربما لي انا.. وأضع على الطاولة خاتم فضي يخصها وانتظر ان تفتح عينيها ليشرق قلبي..
أذكر ذلك اليوم جيداً ... بداية معرفتي بروزا، عندما كنت متجها لمخدعي السري كعادتي، مكاني المفضل، البار الخاص برجل القهوة، لا يدخله الا هو ولا يشرب قهوته الا هو، ولا يملئ فراغه الا هو!
يومها كنت بائس جداً و افكر في شرب كل مخزوني من القهوة، ربما اغط في نوم عميق بعدها ولا استيقظ الا كالسكارى الذين فقدوا اعز ما يملكون، فقدو عقولهم.. احتجت أن افقد عقلي قليلاً، ألا يصيبكم شعور بالرغبة بالنسيان احياناً؟ خصوصا عندما تكونون أكبر من حاضركم وأقل من ماضيكم ولا تعلمون هل هناك في الفراغ القادم كرسي لكم للانتظار؟
يومها وقفت أمام الباب وعلى سبيل السخرية، امسكت بالحلقة وطرقت الباب! شعرت بأنني احمق ويومها فقط وجدت روزا!
فتحت الباب، وفوجأت بشبح شخص ينتظر في الظلام، فصرخت من هنا ولوحت امامي بمسدس شخصي من نوع الربع غالي الثمن والذي من النادر الحصول عليه فشعرب بالفخر للحظة لأنني ارفع مسدسي في وجه اللاشيء ثم انعمت النظر لأجد جمال رباني متربع امام طاولتي ويغط في نوم عميق ويمسك بيده الصغيرة خاتم فضي يلمع وسط العتمة!
عندها اخذت اصرخ بوجه روزا ان تستيقظ، ولم تفعل، فحركتها فكادت ان تقع، فشعرت بارتباك لم اكن اشعر به قبل ذلك! ثم جلست امامها عدة ساعات ولم تفق! فقررت أن أخذ روزا الى بيتي.. غير أن الرياح لا تجري كما تشتهي انت ولكن لها بروتوكولها الخاص اذكر أنني امسكت بيد روزا وأخذت الخاتم منها ثم بلمح البصراختفت روزا.. كفكرة، كحلم.. اختفت، وشعرت عندها بشعور لم اكن احبه... الفقدان...
شددت يدي على خاتمها ونظرت عالياً نحو السقف القديم وصرخت في الظلمة وبأعلى صوتي،" لقد نسيتي شيء يخصك، وان كان يهمك ستعودين له! يا فتاة المجهول سأنتظرك!"
ظننت بأنني فقد عقلي، وأن روزا هي مجرد هلوسة او خيال فكيف لفتاة ان تظهر من العدم وتختفي للعدم! ولم أكن أؤمن بالخرافات، فظننت بأنني فقد عقلي، وأنّ الحياة تسلبني نفسي بالتدريج.. فنظرت جهة الخاتم الخاص بالفتاة، وفجعت لما وجدته.. كان مكتوب عليه "روزا" عندها تيقنت بأنني فقدت نفسي وسط العتمة وأن ظهور النور ما هو الا محض اضطراب نفسي..
تناسيت روزا ووضعت الخاتم بجيبي رغم أنني لم أصدق بوجود شيء من ذلك الشبح الذي ظهر فجأة.. والحياة تمضي بكل ما فيها من احداث وقد تكون أنت احياناً واقف في نقطة ما من الزمن ولا تريد المضي قدماً ثم تتدارك الزمن وتجري بكل ما تملك من قوة حتى تدرك نفسك قبل أن يفقدك الأخرون..
أحببت فكرة ظهور تلك الفتاة التي أعادت شيء ما داخلي نحو الحياة وتمنيت أنها حقيقية، فكيف أكون أنا حقيقي وهي خيال ربما أنا مجرد خيال في عقلها وهي ظهرت لتعطيني اشارة بأنني لستُ وحيداً...
في صباح اليوم التالي، عدت نحو البار وأنا امارس السكر مع فنجان القهوة، غير مبالِ بما حصل وكأن روزا كانت كذبة ابتدعتها للحظة لأخفف من عزلتي وأشاهد الفراغ يمتلئ بأنثى من نوع أخر، شخص يشبهني عندما لا يراني أحد، عندما أكون منعزلاً وأمامي طاولتي، وفنجان قهوتي، وكتاب لأقرأه وحدي... وعندما فتحت الباب عنوة خالٍ من الأمل وجدت روزا أمامي عادت من اللاشيء لتستمع لقصتي.. أنا رجل القهوة! وهي نائمة كما رأيتها أول مرة...
هل لأنني أعتدتُ القراءة وحدي ظهرت هي لتأنسني، أم تراها هاربة مثلي ولم تستطع بناء مخدعها الخاص فقتحمت علي عزلتي، هل روزا ضلت الطريق، ام أن القدر اختار لها عذاب من نوع رجل القهوة!
ومنذ ذلك اليوم وأنا استيقظ كل صباح ولا أعرف لماذا، ولكني احث الخطى نحو المجهول كل يوم، وأنا الذي اعتدت الحقيقة، ترني اغرق في كذبتي، هل روزا هي كذبتي المفضلة؟ التي اخترت ان تشاركني عبث الايام، لعلها تجد في وجودها معي متعة ولعلي اشبع بها نزواتي الشخصية..
وكلما وقفت امام باب البار لم اطرق الباب، ولكني اقف لدقائق امارس الصمت مع نفسي واستشعر حجم الفاجعة التي اعد نفسي لها في حال أنني لم اجدها تجلس كما اعتدها.. وكلما مرت الأيام استيقظت روزا شيء فشي، ونظرت نحوي بشيء من الخجل وهي تراني احدثها بكل شء قرأته وعشته وأتلو عليها قصصي وحروبي مع نفسي والعالم، وكلمما تجرعت أكثر كلما استيقظت أكثر، وكأنها مع الوقت تملكني، فتشرب من فنجان قهوتي، وتعبث بيدي، وتسترق النظر نحوي وتنمو، روزا تنمو وتمتلئ بي، وأنا من أول نظرة امتلأت بها..
ومع الأيام أتناسى بدايات روزا وأنها ظهرت من اللاشيء، وحتماً ستختفي يوماً ما.. واعيش معها كل يوم بيومه، أنقل لها تجربتي وأنتقل لها من عزلتي وتستيقظ..
وكلما مر الوقت اصبح فستانها أزهى من قبل، فانعكس على قبعتي، وأصبحت أجمل وأكثر حيوية، وأنا اشتد قرباً وشوقاً..
هل ستتحدث معي روزا عندما تكتشف أنه لم يتبقى مني شيء، وهل سترضى برفقتي بعد أن تصل للوعي الكامل بشأن المرحلة.
لم أطرح أي سؤال عليها، ولكني أنتظر أن تحادثني بنفسها وتلقي علي بتعويذتها الجميلة..
وها أنا أقف أمام الباب، اتنكر لتاريخي الماضي واستمتع بالصمت لعدة لحظات قبل أن أفتح الباب وادخل عنوة كما اعتدات روزا النائمة..
أفتح الباب، واتركه يشق طريقه نحو النور، ثم اتجه بنظري نحو شبح شخص يقف امام الطاولة القديمة، تبدو عليه امارات الانزعاج والاشتياق.. روزا واقفة وتنتظر ويبدو انها ستتحدث! لم أكن من النوع الذي تظهر عليه المفاجأت لكني يومها تفاجأت حقاً ووقفت شبه مصدوم ولشدة الصدمة اتجهت نحو كرسيي وألقيت بثقلي عليه .. امام روزا.. ووضعت خاتم الفضة خاصتها على الطاولة ثم تذكرت أن الحديث لا يحلو إلا بفنجان القهوة، فاتجهت لأصنع فنجان قهوتنا... وعندها حصل شيء مذهل جعلني أفتح عيني عن أخرهما..وبكل غرابة الدنيا.. تحدثت روزا...
يتبع...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق