
كانت دوما تجد نفسها في منتصف المحادثة، لم تعرف البداية قط.. في كل مرة تفتح عينيها تجده امامها على طاولة مربعة، يدردش معها، أمامه فنجان قهوة من الحجم الكبير، وخاتم فضة يضعه بجانب الفنجان. لم ترى عينيه أو وجهه سابقا، لا تعرف من هو، فقط ترى يداه تتحركان وهو يحدثها بأسلوب مشوق عن كل شيء، كل ما تعرفه أنه يبدو رجل أنيق جداً، يرتدي بذلة كحلية اللون، يخرج من طرف كمها قميص ناصع البياض، وساعة قيمة جداً، كان يضع قبعة كل مرة تكون مختلفة اللون، في بعض المرات رأته يرتدي قبعة زاهية الألوان، كانت تعرف مزاجه من خلال قبعته، فالقبعة الزاهية تعني أن مزاجه طيب اليوم، والقبعة القاتمة تعني أنّ مزاجه معكر، والقبعة البيضاء تعني أنه يرغب بالراحة فقط، والقبعة الحمراء تعني أنه غاضب، والقبعة السوداء تعني أنه مقدم على عمل خطير، وعندما يرتدي قبعته الكحلية تعرف بأنه يرغب بمحادثة عادية.. أحياناً سريعة..
لم تكن تعرف من هو، والأخطر من ذلك أنها لم تكن تعرف غيره! كيف لها هذا، كيف لها أن لا تعرف في الدنيا الا شخص واحد، وفي نفس الوقت أن لا تعرف من هو هذا الأحمق!
حتى المقهى الذي تجلس فيه لا يوجد فيه أحد للخدمة، كانت دوما تفتح عينيها لتجد يديه يتحركان امامها مثل يدا موسيقار مشهور يعزف الحان مشوقة على وتر الكلمات.. كانت تعشق صوته القريب من قلبها..
أحيانا تتسأل لماذا هي من دون الناس جميعهم تعرف رجل القهوة، وكيف لها أن لا تنظر نحوه، هل هو مجرد خيالات في رأسها؟ او ربما هي مجرد خيالات في عقله!
كل مرة كان يتحدث بموضوع جديد، لا تعرف معظم الذي يحكي لها عنه، كان يحكي لها عن التاريخ والسياسة والحروب، والاقتصاد، ومشاكل البطالة، والارهاب وداعش والافلام الجديدة وتاريخ الارض وأمريكا، والحيونات، ومشاكله في العمل، والناس من حوله والافكار الجديدة... أحيانا يروي لها حكايات ويربت على يديها بلطف.. تدرك عندها أنه يحتاج لعناق طويل... كم كانت هي ترغب به.
حدثها مرة عن الرقص، وكيف أنه يمكنه مراقصة جميع النساء مجتمعين ولا يذرف قطرة عرق واحدة.. وحدثها مرة عن خبرته باستخدام الأسلحة الفتاكة بأسلوب حضاري وبرستيج! وحكى لها عن قصصه تحت الماء وعن محاولاته المستميتة لاصطياد قرش بحر بيد واحدة..!
كانت تصدق كل كلمة يقولها وتبتسم في وجهه .. تومئ له وتمسح بإصبعها طرف فنجان القهوة بشكل دائري وتنظر في خاتم الفضة..
لم تكن تنبث ببنت شفة، لم تكن تتحدث!
هو، أحيانا كان يرى غنج في عينيها، وأحياناً كان يرى انعكاس لحزنه في صفحات وجهها.. كان يعشقها ولا يدركها.. كأنها سراب أمامه، وفي كل مرة يختار قبعة تناسب لون فستانها الذي ترتديه، كان فستانها يدل على مزاجها، كلما كانت زاهية الالوان كلما كانت بمزاج ممتع وكلما كانت قبعته اجمل، ببساطة كانت قبعته مرآة لألوانها ومرآة لها..
لم تكن تنبث ببنت شفة، لم تكن تتحدث!
هو، أحيانا كان يرى غنج في عينيها، وأحياناً كان يرى انعكاس لحزنه في صفحات وجهها.. كان يعشقها ولا يدركها.. كأنها سراب أمامه، وفي كل مرة يختار قبعة تناسب لون فستانها الذي ترتديه، كان فستانها يدل على مزاجها، كلما كانت زاهية الالوان كلما كانت بمزاج ممتع وكلما كانت قبعته اجمل، ببساطة كانت قبعته مرآة لألوانها ومرآة لها..
كان يذهل باببتسامتها.. يفقد عقله.. يصبح أقوى رجال الأرض ويحدثها عن قصة أخرى أغرب من الخيال.. وكلما تعمق في المغامرة، كلما كانت اكثر شوقاً واستشرافاً له.. لم يدرك أنه يأسرها بتلك الكلمات ويجذبها نحو افكاره..
وكل ما كان بينهما هو قصصه، وقبعته، وفستانها، وخاتم الفضة، وفناجن القهوة، والكثير من القبول..
وكل ما كان يفصلهما، هو وجود طاولة قديمة متهالكة وكانت تعني الكثير..
نحنُ نُحدث الشيء الذي نفتقده يا عزيزتي، كانت هذه كلماته المشهورة. لم تفهم يوما ما يقصد..
مع الوقت ازدادت اكتشافاً لنفسها معه، كانت كل لقاء ترتشف شيء من قهوته، تسمع شيء من حديثه، تداعب خاتمه، تنظر إلى يديه قليلاً، تحاول استراق النظر شيء فشيء نحو وجهه، وكل مرة يصلها فكرة جديدة عن نفسها.
في احد الايام قال لها، نحن لا نكتشف انفسنا إلا مع الشخص الذي نحبه، ونحن لا نصبح أناس أفضل إلا مع من نحب.. في ذلك اليوم رأته يردد بين شفتيه كلمة مألوفة، سمعته يردد أسمها.. سمعته يقول "يا روزا"
وكل ما كان بينهما هو قصصه، وقبعته، وفستانها، وخاتم الفضة، وفناجن القهوة، والكثير من القبول..
وكل ما كان يفصلهما، هو وجود طاولة قديمة متهالكة وكانت تعني الكثير..
نحنُ نُحدث الشيء الذي نفتقده يا عزيزتي، كانت هذه كلماته المشهورة. لم تفهم يوما ما يقصد..
مع الوقت ازدادت اكتشافاً لنفسها معه، كانت كل لقاء ترتشف شيء من قهوته، تسمع شيء من حديثه، تداعب خاتمه، تنظر إلى يديه قليلاً، تحاول استراق النظر شيء فشيء نحو وجهه، وكل مرة يصلها فكرة جديدة عن نفسها.
في احد الايام قال لها، نحن لا نكتشف انفسنا إلا مع الشخص الذي نحبه، ونحن لا نصبح أناس أفضل إلا مع من نحب.. في ذلك اليوم رأته يردد بين شفتيه كلمة مألوفة، سمعته يردد أسمها.. سمعته يقول "يا روزا"
"ما هي الحياة إلا عبارة عن فيلم درامي كبير مليء بتفاصيل مملة.. هذه التفاصيل، هذه المحادثات، هؤلاء الناس يصنعوننا.. روزا نحنُ لا نكبر مع الزمن، نحنَ يا عزيزتي .. نكبر بمرور الناس.."
كان عليها كلما ذكر اسمها ان تسترق النظر نحو شفاهه وان تبتسم..
الحب يعني التوحد... التوحد في كل شيء.. في كل التفاصيل.. بدأت تتسرب لروزا افكار غريببة عن الحُب، وهو لم يذكره في حكاياته كثيراً.. هو كان يدور حوله بكل ما يملك من قصص ويلتف عليه.. ثم تفضحه، قبعته، فنجان قهوته، يداه، حتى الطاولة العتيقة كانت تصرخ بشيء ما.. شيء تحب روزا ان تتذوقه..
كان تعشق قبعته، ولا تدري ما سر تغير لونها بحسب مزاجه، وكان لا يرى إلا فستانها.. يحدق به طويلاً ثم يرتشف فنجان القهوة، احيانا كان يلمح فنجان القهوة بين شفتيها فيذهل..
التفاصيل لا تهمنا إلا عندما يهمنا شخص ما، هكذا كانت تفكر، وبهذا كان يؤمن..
ربما يستطيع الزمن أن يحل الكثير من الامور، لكنه يفضحنا، يكشفنا بكل تفاصيلنا ويعرينا عن الحقيقة.. الزمن قرب روزا من أشياءه وقربه من نفسه وقربهم من اللاشيء ونحو شيء عميق .. جداً...
في يوم ما فتحت عينيها كما اعتدات دوما فلم تجده، وهذه اول مرة لا ترى نفسها في منتصف اللقاء.. ربما تكون اول مرة ستكون فيها في بداية اللقاء هكذا فكرت.. يومها انتظرت كثيراً... ثم اخذت تحدق في الغرفة، تنظر اليها بتمعن، ثم تحركت من مكانها وسارت في درب لم تسره يوماً واخذت تتفحص الحياة من حولها.. كل شيء كان غير حقيقي، لا الطاولة، ولا فناجين القهوة على البار، ولا التلفاز المعلق، ولا الحائط ولا شيء، كل شيء كان اقرب للسراب، لا شيء تلمسه، هل هذه حياتها؟ هل هذه حياتنا؟
اخذت تحدق في ساعة الحائط، لم ترها تتحرك يوماً، " كيف للوقت ان يشفي اي شيء اذا كان عليلاً" بهذه الكلمات تفوهت.. والتفت نحو نفسها ودارت باتجاه الطاولة.. "لماذا انا غير متعجبة مما يحصل؟ لماذا لم افكر يوماً بالحياة خارج الغرفة؟" دارت روزا في افكارها، واستغربت من فكرة ان تكون هي فكرة، والاغرب من ذلك ان تكون هي فكرة تفكر، لكن ماذا ان كانت هي فكرة حقاً؟ ماذا لو لم يكن رجل القهوة الا حاجتها من الحنان؟ ابتدعتها حتى تستطيع ان تواصل اشتعالها، اختلقت وجود فكرة مكملة حتى تستطيع ان تحترق بشكل اكبر! دعونا نفكر بشكل مختلف قليلاً الأن.. ماذا لو كان رجل القهوة حقيقي وروزا من بنات افكاره...
لو كان لروزا يومها ان تغمض عينيها وتنام لفعلت، لكنها اكتشفت انها لن تستطيع فعل ذلك، لقد طار النوم بعيداً، وحل محله التوجس، ورغم ان الوقت كان متوقف نحو الساعة السادسة الا انها أحست بأن الزمن يسير بسرعة، وأنه فاتها الكثير، وتمنت لو انها فقط تفتح عينيها لتجد امامها فنجان القهوة، فحاجتها اليوم للقهوة تعادل حاجتها للحياة..
الانتظار صعب عندما تكون وحيدا.. الانتظار يعني ان تهمل تفسك وتتوقف عن العيش حتى يصل شخص اخر.. هو ان تبتدع نقطة حياتية جديدة بعيدة عنك تشترط حصول حدث معين.. الانتظار يعني موت مؤقت.. روزا انتظرت طويلا..
وانفتح الباب ودخل رجل مكتمل البنية جميل الشكل يرتدي بذلة كحلية يخرج من كمها قميص ناصع البياض وعلى رسغه ساعة قيمة.. شخص تعرفه روزا.. كانت مذهولة.. لقد انتظرت طويلا لكن الساعة لم تكن تتحرك.. لقد كبرت روزا ولم تكبر.. لقد انتظرته وهو لم يخذلها... دخل عليها بأسلوب أنيق.. لم يطرق الباب يبدو انه لم يعتد طرق الأبواب.. هو يدخل فقط.. يترك ظله خارجا.. لم يكن يحب الغرباء ثم يمشي نحو روزا مبتسما ويجلس أمامها... يخرج خاتم فضي من جيبه ويضعه على الطاولة.. يذهب نحو البار .. يمسك أحد فناجين القهوة الغير حقيقية فيستحيل لفنجان قهوة رائع.. يشغل الراديو الصباحي ليخرج صوت موسيقى هادئ.. ثم يقترب من روزا ويقول لها " يبدو انك استيقظتي ايتها الأميرة النائمة. لقد انتظرتك طويلا!"
شعرت روزا بأنه يخدعها.. هو لم ينتظر.. هي التي انتظرت.. لكن ماذا لو تسرعت روزا.. ماذا لو كان رجل القهوة في موعده المعتاد.. لكنها استيقظت مبكرا...
صاحت في وجهه.. اجلس! لا أريد أن أفقدك.. فقط كن حقيقي وكن أمامي!
"لا نحسن البدايات الا بها ياروزا.. انا احتاج ان ارتشف من نفس فنجانك.. من قهوتك .. من يومك.."
عندها التمعت عيني روزا وفهمت شيء خطير عن رجل القهوة..
يُتبع..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق