الحياة عميقة جداً وهي ليست فقط الأحداث المتسلسلة التي تمر من حولنا ومعنا.. كل شيء مرتبط، ونحنُ من بين الارتباطات نفقد أنفسنا ثم نفقد طريق عودتنا، ثم ننسى كل ذلك ونحيا من جديد، نحن ببساطة مثل طائر الفينيق، نحسن النسيان! روزا عرفت رجل القهوة، رغم الفترة القصيرة التي عاشتها معه، رغم أنها لم ترى منه إلا جانب واحد من شخصيته الغامضة، لكنها عرفته حقاً، فرجلها عميق جداً لكنه هش وتستطيع أن تقرأه مع كل الحواجز التي يضعها حوله، ببساطة تستطيع أن تتخطاها جميعاً وتقفز من فوق لترى رجل حساس، سئم الحياة بحماقاتها، واعتزل البشر.. لكنك لن تستطيع فعل ذلك إلا عندما يسمح لك رجل القهوة أن تدخل كهفه، وهذا ما حصل مع روزا العزيزة..
بعد دخول رجل القهوة الغرفة السحرية التي يملكها، والتي لم تجد روزا بها اي شيء حقيقي، اختفت علامات التعجب عن وجهها وبدت عليها امارات الذهول، والذي حدث كالتالي.. يدخل رجل القهوة الغرفة السحرية بعد ان يدفع الباب ببطء، فيسري شعاع منير خلال الباب الموارب نحو الغرفة ليتسلط على روزا الجميلة، وتكون هي واقفة بجمالها الخلاب، أمام طاولة رجل القهوة، فيتفاجأ الأخر، حيث لم يعتد روزا بهذه الوضعية، لكنه يبتسم نحوها ويقترب منها، ويجلس أمامها بشيء من الحذر، يضع الخاتم الفضي على الطاولة، ثم يتذكر شيء مهم جداً، لا تحلو اللقاءات بدونه، فيغمز روزا، ويتجه نحو البار، يضع غلاية الماء الساخن على عين مشتعلة، ثم يغلي الماء على مهل، وبهدؤه المعتاد، يضع القهوة لتفور وتملأ الغرفة برائحتة البن المغلي الطيبة، فينتبه رجل القهوة للرائحة كأنه يشمها لأول مرة ثم يحاول أن يسرق شيء منها بأنفه ويتناسى وجود روزا، لكن الاخيرة تفقد صبرها، رغم أنها عودت رجل القهوة على الصمت الطويل، إلا أنها الان وبشكل غريب ترغب بالحديث فقط، كأنثى تتحرق شوقاً للكلمات.. روزا تفتقد رجل القهوة رغم وجوده المكاني معها، فجأة صاحت في وجهه، وحركت يديها بشكل انفعالي قائلة "اجلس! لا أريد أن أفقدك.. فقط كن حقيقي وكن أمامي!"
رجلنا لم يعتد روزا تتحدث، فشهق امامها ثم أخفى انفعاله، وكأنّ الانفعال شيء غير محبب في قاموسه، ثم نظر في ساعته الذهبية للحظة وكأنه يخفي ذهوله بين عقارب الساعة، و تمتم تجاهها بكلمات منتقاة يبدو انه قرأها في كتاب ما من كتبه التي قرأها سابقاً فرجل القهوة، اعتاد القراءة وحده، والعزف مع الناس! "لا نحسن البدايات الا بها ياروزا.. انا احتاج ان ارتشف من نفس فنجانك.. من قهوتك .. من يومك.."
ابتسمت روزا، ونظرت تجاهه تحاول أن تكتشف ما الذي سيفضح كذبته، لكنها عندما حدقت قليلاً ساورها شعور بأنها تعرف حقاً رجل القهوة، بدأت تفكر مع نفسها، هل رجل القهوة يعرف شيء عنها ويخفيه لنفسه! اتجه رجل القهوة نحو الطاولة، ونظر نحو الخطوط المرسومة بعناية، ثم وضع يده عليها وكأنه يرغب بمصافحتها، وجائه احساس بأنّ الطاولة، والخطوط المحفورة عليها، وكل ما حولها، يحاول أن يذكره بتاريخ قديم عاشه وحده لم تسطره الكتب..
"القهوة نبيذ العشاق"، هكذا اضاف رجلا القهوة لروزا وهو يقدم لها فنجانه، ويجلسها على كرسيها، ثم يعود نحو كرسيه بهدوء ويجلس أمامها.. لم يعتد رجل القهوة روزا تتحدث، ولم يعتدها تشرب القهوة، لكن هناك نقطة في حياة أي شخص يصبح عندها مشوش وتأتيه فكرة بأنه لا يعرف أي شيء عن الأخرين، أو الحياة من حوله، رجلنا لا يبدو أنه يعرف شيء عن روزا، هو يرغب بها، يتحرق شوقاً ليسمعها، يحاول أن يشم أنفاسها بعد أن يصتادها من شباك رائحة القهوة، ويرمي كل مرة بطعم جديد محاولاً أن يدمجها بقصصه علها تسأله عن أي شيء خلالها، هو ذكي جداً ليدرك أن روزا عندما تتحدث سيكون جل حديثها عنه وعن قصصه التي رواها لها..
الطاولة القديم تبدو كقطعة شطرنج، وهناك لاعبان فقط، وكلاهما ملك، وأول حركة لكلا الطرفين هي كش ملك، رجل القهوة خلال لقائاته مع روزا التي ظهرت من اللاشيء، كان يعدها نحو سؤال مهم جداً وهو من أنتِ! وروزا عرفت من أول يوم أن هناك خطأ ما وأنّ وجودها هنا يعني عدم وجودها في مكانها الصحيح لكنها استمتعت بحسن صحبة صاحبنا، وحاولت أن تؤجل تساؤلاتها ليوم تكون فيه أكثر استيعاب للأمور.. روزا لم تتسائل كثيراً في البداية، فقد كانت شبه مصدومة، وكأنّ ذاكرتها مسحت تماماً ولم تعد تحتمل أي شيء أخر، لذلك حاولت أن تتناسى الأسئلة الأساسية للوجود مع رجل القهوة، واستمعت له، ولقصصه، وكونت فكرة عن شخصيته، لكن عند نقطة معينة، وجدت أنّ وجودها تعدى المكانية، فهي الأن في بعد أخر من الوجود، بعد تحصل عنده تغيرات كبيرة على مستوى الكون، والذرة، وجدت أنها في بعد الحُب! لهذا رغم الصمت الطويل، كل ما أرادت أن تقوله يوماً، هو كلمة واحدة فقط..
لو كان هناك فايروس يسمى فايروس الحب لبرّر الكثير من العشاق ألمهم وحمقهم، لبرروا، مشاعرهم المتناقضة ولبرروا تقبلهم للهزيمة، والانكسار بكل روح رياضية.... ببساطة وجود فايروس الحب يعني أنّ الرجل والمرأة ليسوا اكثر من مرضى، والأجمل من ذلك، لا أحد يرغب بالشفاء.. روزا تعتقد بأنّ فايروس الحب انتقل لها من فنجان قهوة الشخص المقابل، فهي لمسته، وارتشفته، ولم يتبقى لها إلا أن تستحم به! وربما لو طلبت ذلك لسكبه رجل القهوة عليها فوراً، هكذا فكرت مع نفسها..
بعد دقائق من الصمت، تحركت عقارب الساعة، فانتبهت روزا فوراً ورغم أنّ الأمر كان محير وصادم لرجل القهوة إلا أنه تابع النظر نحو روزا وكأنه يراقب انفعالاتها ويحاول أن يتذكرها لاحقاُ..
أما هي فكانت تظن بأنّ هذه الغرفة مجنونة مثل صاحبها الغامض، فهي لا تعرف أي شيء الأن، وكل ما تتمناه هو أن تستيقظ قبل أن تتورط أكثر بشيء لا يمكن الرجوع بعده...
وضع رجل القهوة قبعته على الطاولة، فتغير لونها عدة مرات ثم عاد للون الكحلي المعتاد، لم يبدو أن رجل القهوة مهتم كثيراً بأمر القبعة لكنّه كان يحدق بفستان روزا بشيء من الاعجاب، ثم تراجع نحو الكرسي قليلاً واطلق تنهيدة طويلة، ونظر نحو يده ووجه نظره لروزا، التي فجأة بدأت تتحدث!
" كان الامر صعب علي في البداية، لا اعرف لماذا كنت صامتة جداً لكنك كنت هادئ أكثر مني.."
"روزا... بحق الله!، من أنتِ؟"
"لا أعرف، لكنٍ لدي فكرة عنك أنت"
"ما الذي تعرفينه عني؟"
"لا اعرف الكثير لكني اطلقت عليك لقب رجل القهوة، كما أن هناك شيء عميق يجذبني نحوك، لا أظن أن وجودي هنا مصادفة! لكن بقدر جهلي، أعتقد أن الاجابة تكمن عندك"
" أنا لا أعرف كيف جئتِ ومن أنتِ لكني اعتدتك يا روزا، ولدي خبرة قصيرة في الحياة تجعلني لا أتسائل عن الاشياء كثيراً، فأنا فقدتُ الكثير، وأرغب الأن بالعيش والعيش فقط يا روزا"
"لماذا أنت حذر جداً في العيش اذا! لماذا لا تتخلص من نفسك في الفراغ لتجدها تعود لك؟ ألا تعلم أنك حتى تجد نفسك لا بد أن تفقدها يا رجل القهوة!"
"روزا أنت تذكريني بشخص عزيز على قلبي.."
"بمن أذكرك يا عزيزي؟"
"تذكريني... بروزا!"
"روزا... بحق الله!، من أنتِ؟"
"لا أعرف، لكنٍ لدي فكرة عنك أنت"
"ما الذي تعرفينه عني؟"
"لا اعرف الكثير لكني اطلقت عليك لقب رجل القهوة، كما أن هناك شيء عميق يجذبني نحوك، لا أظن أن وجودي هنا مصادفة! لكن بقدر جهلي، أعتقد أن الاجابة تكمن عندك"
" أنا لا أعرف كيف جئتِ ومن أنتِ لكني اعتدتك يا روزا، ولدي خبرة قصيرة في الحياة تجعلني لا أتسائل عن الاشياء كثيراً، فأنا فقدتُ الكثير، وأرغب الأن بالعيش والعيش فقط يا روزا"
"لماذا أنت حذر جداً في العيش اذا! لماذا لا تتخلص من نفسك في الفراغ لتجدها تعود لك؟ ألا تعلم أنك حتى تجد نفسك لا بد أن تفقدها يا رجل القهوة!"
"روزا أنت تذكريني بشخص عزيز على قلبي.."
"بمن أذكرك يا عزيزي؟"
"تذكريني... بروزا!"
فجأة اقتربت روزا أكثر من رجل القهوة، وارتشفت من فنجانه، وهي تثبت النظر نحوه، ثم وضعت الفنجان على الطاولة بقوة وابتسمت وكأنها الأن تستعد لسماع قصة جديدة من قصصه التي اعتادتها، قصة بعيدة عن الخيال وأقرب للواقع، قصة ملحمية بطلها رجل واحد، رجل يشكل الأن شيء مهم لروزا... رجل القهوة..
اما هو، فتابع النظر نحو الساعة وكأنه يستعيد شيء ما حصل في الماضي، ويرغب فقط لو أنّ العقارب لا تخونه وتتراجع خطوة للوراء عله يكن أقدر على وصف شيء ما يهمه، ثم لمس الخاتم الفضي الخاص بروزا وقال لها بمثل هذا الخاتم قبل عدة سنوات، بدأت قصة جميلة، ككل الحكايات كانت لامعة جداً حتى اعتقدت أنني لن امل من الابتسام خلالها، لكن يا عزيزتي شيء ما حصل وبعدها تغيرت الامور يا روزا..
"ما الذي حصل؟"
"أولا ناوليني فنجان القهوة، فأنا الأن بحاجة لها أكثر من أي وقت مضى!"
ارتشف رجل القهوة من قهوته، من نفس المكان الذي ارتشفت منه روزا قبل أن تتحدث، وكأنه كان يحاول بذلك أن يستمد من قوتها لقوته، حتى يستطيع أن يحدثها بقصته الخاصة، ثم قال لها
"اعتدتُ المجيء باكراً بتوقيت الحُب"
يُتبع...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق