عندما تعملين في وظيفة طبية يا روزا، ستعرفين عندها انّك اجلتي الحياة قليلاً لتخففي من معاناة أناس لا تعرفينهم، أحياناً يحلو لي أن أعتبر الطب موقف لصيانة الأجساد المهترئة في طريق الحياة، وهكذا كنتُ يا روزا، طبيب، اتنقل ما بين المستشفى والعيادة الطبية التي كنت أعمل بها، كانت الحياة سريعة جداً والناس كثر جداً، ولا يوجد وقت لتنظري أمامك أو لتحدقي في المرأة لتلاحظي تغيرات الزمن عليك. عشقت مهنتي جداً، وكنت أجيد ما أفعل، عملت في حقل النساء والتوليد، نسميه في مهنتنا dirty field أي الحقل القذر، ربما لأنه لا يشبع من الدماء، فدماء مقدمة، ودماء مهدرة، وكلها تنسكب على أعتاب حياة قادمة، أو أخرى منتهية.. خضت غمار حروب صغيرة كثيرة جداً، ولّدتُ نساء كثر وشهدتُ على قيام حياة مرات عديدة، ازلت العديد من السرطانات، واستأصلتُ كم هائل من الارحام المريضة، شهدتُ مأساة العديد من النساء أيضاً، وطببتُ العديد من جرحى الجنس اللطيف يا روزا.. مع الوقت لن يكون هناك مشاعر ترافقني في مهنتي، فقد تخليت عنها منذ وقت طويل حتى استمر بالعمل، وكنتُ ناجحاُ. من الصعب أن تكون ناجحاً ومرهف الاحساس، فالاحساس العالي سيلقي بك في غمار مهنة اخرى، الفن، او الهندسة مثلا، يقولون الطبيب مرهف الاحساس، لا أعرف أحد بهذا الوصف في مهنتي للأسف .. كنت استوعب هذه النقطة جيداً خلال فترة شبابي ومن نجاح لاخر كونت لي اسم معروف وعملت في مركز طبي مرموق واخذت اترفع في المواقع الطبية.
في يوم من الأيام اتصلت علي المستشفى التي أعمل بها في يوم اجازتي لأسارع بإنقاذ امرأة في منتصف الثلاثينيات حامل وتعاني من تمزق في الرحم، وكانت حالتها صعبة جداً ودخل في العملية افضل الاطباء وكنت على رأسهم، وفعلت أفضل ما في وسعي لانقذها واغلق نافورة الدم المفتوحة، وقمت باستأصال الرحم المسكين فهذه كانت افضل الحلول لدي في مثل حالتها، وحاولت أن احافظ على حياتها ونجحنا بفضل الله في ذلك.. كانت عملية عادية لي قمت بعمل عمليات مشابهة لها سابقاً، لكن في ذلك اليوم التقيتُ بها! " من هي؟ " التقيتُ بروزا يا عزيزتي... كانت خائفة وتبكي عندما قابلتها خارج غرفة العمليات واقتربت مني بخوف شديد وهي تسأل عن اختها، كانت جميلة جداً وخائفة وكنت منهك وجائع، طمأنتها، واخبرتها بأنّ اختها بخير، ثم تركتها كما يفعل الاطباء في منتصف المحادثة عندما يكون اهل المريض بحاجة لعناق، ولم أكن أحبُ العناق يا روزا، لم أحصل عليه يوماً وفاقد الشيء لا يعطيه، تركتها وذهبت لاكل وارتاح.. كانت فكرة الطعام تريحني، المضغ البطيء للشيء، والتفكير في اللاشيء ثم تجرع كأس ماء لتبلع ما أكلت وما فكرت شيء غريب، لطالما ظننت بأن هناك شيء فلسفي عميق في كل العمليات الحيوية التي تخوضنا، هي فعلاً تخوضنا ونحنُ الناتج النهائي، نحنُ الحصاد البديع...
بعد عدة ايام قمت بمراجعة حالة المريضة بنفسي، فوجدتها تجلس بجانب اختها، كانت تلبس النظارات، وتحمل كتاب، يبدو أنها كانت تقرأ، اطمأنيتُ على الحالة، ثم تركتها وخرجت، وخرجت تجري خلفي، كان صوتها خافت وهي تناديني بدكتور، لانظر واجدها شبه خائفة وخجلة، استدرت نحوها بابتسامة عريضة، وانتظرت أن تتحدث، فقالت لي، " شكراً لك لانك أنقذت حياة اختي" "لاشكر على واجب يا عزيزتي، بالمناسبة ما هو اسمك؟" "انا اسمي روزا" "اسم جميل، ارجو لك التوفيق يا روزا" ، " دكتور، هلا قبلت مني هذه الهدية" " في الحقيقة، أنا لا أستطيع قبول الهدايا من المرضى وذويهم، سامحيني يا روزا" "لا تعتبرها هدية او رد شكر، هي مجرد شيء للذاكرة يا دكتور، فلو أنك الان ذهبت بدون أن اعطيك شيء ما، فلن تتذكر اليوم ولن تتذكر اختي ولن تتذكرني، فرأسك لا يحتاج امور اخرى ليحشدها بجانب ما يملؤه، لذلك أنا اعرض عليك أن تبقي شيء في الذاكرة، وتخسر النسيان!" ردها الغريب زاد فضولي في معرفة من هذ هذه الفتاة حقاً وكيف لها أن ترد علي برد غريب كهذا لذلك مددتُ يدي، وتناولت مظروف مغلق منها، ونظرت في عينيها محاولا الكشف عما تخبؤه من خلالهما، ثم ابتسمت لي، ودنت من جسدها قليلا كما تفعل الاميرات وهنّ يحين الملك، وتركتني وانا افكر فيما فعلته منذ قليل، وفيما فعلته انا، ثم تذكرت أن اشكرها، ولوحت بالمظروف وقلت " روزا، شكر لك!"
في البيت بعد يوم مرهق تناولت المظروف وانا افكر في أنني احتاج لنوع جديد من السجائر غير النوع القديم هذه اقصى درجات التغيير التي كنت اطمح لها في تلك الفترة، استلقيت على السرير، وفتحتُ المظروف، لأجد فيه رسالة مطوية وخاتم فضي.
"هل هو هذا الخاتم الذي تضعه على الطاولة كل يوم؟"
"لا ليس هو يا روزا، لقد تخليت عن ذلك الخاتم منذ وقت طويل!"
" اذا لمن هذا الخاتم؟"
"إنه خاتمك! لقد أتيتِ به منذ أول يوم"
فتحت روزا عينيها عن أخرهما باستغراب وهي تقلب نظرها بين رجل القهوة والخاتم، ثم قالت، ماذا كان في الرسالة؟
" جملة واحدة، ومبهمة! شكراً لك على فنجان القهوة، وعلى كل تلك الحكايات الجميلة"
عندها زاد اتساع عيني روزا وشعرت بشيء غريب داخلها ونظرت تجاه رجل القهوة وهو ساكن تماما، ثم قالت أرجوك أكمل..
لا أعرف ما الذي تملكني عندما فتحتُ الرسالة، كانت مبهمة وغريبة لكن هناك شيء ما بدأ يتوهج داخلي وأنا اقرأ تلك الكلمات، ظننت يومها أنّ تلك الفتاة أخطأت العنوان، فأنا لم أتناول معها شيء ولم أحدثها عن حكاياتي، لكن رغم الحماقة التي انتابتني إلا أن شيء وحيد غريب أردتُ فعله تلك اللحظة، قمت بارتداء الخاتم، وعندها لمعت في ذهني فكرة غريبة.. " ماهي" " رغبتُ حقاً بالتعرف على روزا..!
أرتديت ملابسي بسرعة وأخذت ادور بالغرفة محاولا تذكر كيف يمكنني ايجادها حيث أنّ أختها تم تخريجها من المستشفى وهي بحال جيد، ومن الصعب الان ايجاد تلك الفتاة فهي غامضة وغريبة ولا يمكن التنبؤ بحركاتها وبالتالي كان علي ان اعصر دماغي قليلا لأجد فكرة مجنونة تساعدني في ايجاد روزا!
"هل وجدت الفكرة؟" في الحقيقة ظننت بأنني سأجدها في المكتبة المركزية ولذلك خرجت ابحث عليها هناك بين جموع الكتب.. ولم اجدها!.. صرت أخرج كل صباح أتجه قبل ذهابي للمستشفى نحو المكتبة، كنت اجلس هناك وحيدا أقرأ كتاب واخرج بأخر ثم أعود مرة اخرى بعد انتهاء الدوام، وكنت اتحجج بالقراءة، ومن كتاب لكتاب صارت روزا اقرب لفكرة وهوس أكثر منها لأنثى، وصرتُ أعدُ الأيام، والكتُب..
بعد عدة كتب من القراءة سترغب بالمزيد، ستقرأ مئة كتاب بنهم شديد، ستكون فكرة عن نفسك وعن الناس من حولك، سترغب بالعزلة، وتقتني كتب في بيتك، بعد مئتي كتاب ستعشق القهوة وتدمن السجائر، بعد ثلاثمئة كتاب ستغدو متواضعا جدا وستبدأ بالبحث عن ذاتك عميقاً بين حروبك الصغيرة، بعد اربعمئة كتاب ستغدو الدنيا ضئيلة من حولك وسينشأ بينك وبين نفسك قبول عميق وستتصالح مع من حولك، بعد خمسمائة كتاب ستفكر بالكتابة، وهنا ظهرت روزا العزيزة..
كُانت فكرة القراءة حلت محل روزا، وكنت أجلس في زاوية المكتبة، أطالع كتاب قديم عن الكون، وكانت هي هناك تقف في مواجهتي على بعد عشرون قارئاً ولم انتبه لها الا عندما بدأت تتحرك عندها تحركت نظراتي بعيداً عن الورق في مواجهة الكاتب، ونظرت بعيني روزا وهي تمسك بين يديها بكتاب يماثل كتابي وتتجه نحوي بخطى خفيفة، ثم تجلس في مواجهتي وتقول لقد انتظرتك طويلاً!
كنتُ عاجزا عن الحديث حيث أنّ الذي انتظر هو أنا وهي لم تفعل شيء سوى الغياب وظهورها كان غريب حقاً وكلامها كان أغرب، هي لازالت تذكرني..
نظرت في عينيها، هي ادركت أنّ شيء ما تغير داخلي، فتداركت الموقف بنظرة حيوية نحوى المكتبة وقالت لم أكن أعرف أنك تحب أصدقائي! فنظرت ونظراتي تلاحق نظراتها وقلت لها لقد كانو اصدقاء أوفياء حقاً..
في الحقيقة كان ظهور روزا أمامي مفاجأ لدرجة أنني تذكرت شيء مهم، فأزلت شيء من يدي، وامسكت بيدها، ووضعت الخاتم الفضي في اصبع الابهام خاصتها ثم قلت لها، لقد نسيتي شيء مهم منذ أخر مرة!
وعندها ابتسمت بوجهي وقالت لي، كان يبدو أجمل على يديك يا دكتور.. لم أحب كلمة دكتور يوماً فهي جافة وتحمل فخاً داخلها، لذلك كنت امر على حالات المستشفى بزي مدني حتى لا يلاحقني المرضى ولا ذويهم، وكنت أخرج قبل أن تدخل تساؤلاتهم، وادخل قبل أن يذهلهم الظهور، أما مع روزا، كان للكلمة طعم أخر، حيث أنّ كل حرف كان يحوي قصة من قصصها ويخفي شيء ما عميق في داخلي..
قلت لها لماذا اختفيتي طويلاً، كيف لكِ أن تتركي رسالة مبهمة وخاتم ثم تختفي بدون أن تبيني السبب لذلك وتتركيني في ذهولي!
عندها قالت لي انت الذي اطلت علي يا دكتور، لقد تركتُ لك رسالة وخاتم وانت استغرقت كل هذا الوقت حتى تعيد الخاتم وتستحق الرسالة!
عندها نظرت لها وأنا اقترب منها بكرسيي نحوها وهي تتبتسم في وجهي وتقول لي، ألم تفهم مغزى الرسالة بعد؟
قلت لها : " شكراً على فنجان القهوة، وكل تلك الحكايات الجميلة " ثم ابتعدت بكرسيي قليلاً ونظرت نحوها بحذر، وقلت هل علي الأن أن اروي لك حكايات جميلة في لقائنا هذا؟ عندها ضحكت بصوت خافت، وقالت ستفعل ذلك يوماً ما بشكل أفضل، أما الان دعنا نشرب فنجان القهوة!
عندها استدعيت امين المكتبة بسرعة، وطلبت منه أن يجلب لي فنجان واحد واصريت عليه حتى كاد ان يصنعه من بن الكتب من حوله.. وبعد أن استقر أمامنا فنجان واحد، وضعت روزا الخاتم بجانبه، وبدأت تحدثني عن نفسها، و بدأت أتعلق أكثر بها، حتى تناسيت كل ما حولي، وهي تضحك بدفئ وتحدثني بقصصها الجميلة بكل حيوية، وأنا اراقبها عن كثب وحولنا ألاف الكتب تشهد على تلك اللحظة الملحمية...
يتبع...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق