الجزء السادس والأخير
في الثلث الاخير من الليل عندما يكون الناس نيام، استيقظ كل يوم، أقوم بغلي فنجان من القهوة على مهل ثم أجلس على شرفة المنزل العالية، أتذكر روزا وأكتب.. ولازلت على هذه العادة حتى اليوم..
روزا تركتني في صباح يوم جميل ككل الصباحات الجميلة والنهايات المؤلمة.. كنت أحضر لها هدية بمناسبة مرور عام على معرفتي بها، وكنت سأطلب منها الزواج، أخذت فترة في اختيار خاتم الزفاف، وفترة أطول في التفكير في كيفية طلب يدها للزواج، كنت كبيراً في السن، لكن في نفس الوقت خجول كالمراهقين.. السعادة هي ان تكون فرح جداً وأنت تسير في الطريق نحو هدف مأمول، وتراقب الناس تلقي بالتحيات، وتوزع الابتسامات، والجميل أن كل هذا يكون من قلبك... اتجهتُ نحو بيت روزا، لم أكن رأيتها منذ يومين، فلم تعد تأتي المكتبة، ولم أتواصل معها لاعرف لماذا غابت عني، انشغلتُ بكيفية سرقتها مدى الحياة ولم اشغل نفسي بيومي غياب، اما هي فيبدو أنها كانت تحضر لمفاجأة أكبر.. روزا فجعتني بما فعلت! عندما اقتربت من بيتها، كانت جموع من الناس تحلق حول البيت، يرقصون ويغنون أغاني فرحة، وكانوا يلتفون ليشكلوا حلقة حول روزا التي كانت ترقص في فستان أبيض، مع رجل غريب عني، رجل سرقها مني بدون مقدمات..
لم أتدارك حجم الفاجعة، فاقتربت بريبة لأتأكد مما رأيت، لم أصدق عيني، كانت روزا هي العروس فعلاً وكانت ترقص بحرقة مثل دجاجة مذبوحة والدم ينزل بغزارة، ولكن هذه المرة لم أعرف أدمي أم دمها هو المهدور فعلاً..
رأتني روزا وهي ترقص فلم تحرك ساكناً وواصلت الرقص لكن بشكل جنوني أكثر .. أكاد أجزم أنها كانت تبكي وهي ترقص والناس تهتف من حولها، والشمس تشاركني الحزن حيث كانت تغرب مثلي يومها وأنا أشاهد وأرى وأسمع، وفي داخلي كان هناك صوت خفي يخبرني بأنني هالك إذا لم أفعل شيء لأحرق روزا أو لأستعيدها على الأقل..
الرجل الذي معها نظر لي بريبة، ثم ترك روزا واتجه نحوي واقترب مني، ودنى فمه من أذني وقال لي" روزا تتمنى لك حظ موفق في حياتك، فهي الأن مشغولة في حياتها الجديدة"، وحينها أمسكت بياقته وجذبته نحوي بقوة، ونظرت في عينيه وعيني تطلق الشرر وقلت له، "هل تبتزها بشيء ما يا احمق، أخبرني والا قتلتك" ثم رفعته بقوة من ياقته حتى كاد يختنق وأنا اشد عليه، والناس تضربي وتشدني بقوة ولا أحد يستطيع أن يزحزحني عنه، ولم أتركه إلا عندما رأيت يدها تمسك بيدي وصوتها يعلو من بين الجموع لكن بهدوء قاتل وحزين وهي تقول " دعه، فإنه رجل طيب، اذهب يا جاد، ولا تعد مرة أخرى!"
سقط الرجل من يدي من هول الصدمة، وأخذت انظر نحوها، ابحث في تجاعيد وجهها عن رائحة روزا القديمة، ثم تركتني واتجهت نحو الرجل الغريب، وشدته من يده، وذهبوا بعيداً، وراء الشمس الحزينة، وتركتني روزا .. رتبت ملابسي وسرت في طريق العودة، وفي الطريق، وأنا متجه نحو اللاشيء، اخذت شيء ملفوف بعناية كان في جيب الجاكيت، ثم وقفت في مواجهة البحر، وبكل قوة رميت خاتم روزا نحو البحر، ومن يومها لا صديق لي سوى البحر..
لم تنتهي الامور بهذه السرعة بالنسبة لي.. كانت الفاجعة كبيرة على قلبي ولم أتحمل الخيانة من شقي الأخر، لم أقابل بعدها روزا بفترة طويلة، اعتزلت الناس وشعلت سيجارة لم أطفئها بعدها وكببت كل ما أملك من قهوة، أردت النوم حقا ولم اجد سبيلا له ابدا...
اما روزا فلم أعرف ما الذي حصل معها ولم أرد أن اعرف، لم أبحث ان اجابات منها ولا مني .. واصلت الحياة كما عهدتها قبل الحب كانت قاتمة وبلا هدف..
مرت سنة كاملة بدون ان يمر يومي الاول لكني رجل عملي واعرف كيف اعيش بقلب محطم وحتى السعادة بعدها تبدو فلسفة وشيء يقرأ!
مرت الايام واستيقظت على غير العادة، كان شيء غريب في عيني يحرقها اردت ان ازيله ففركت عيني قليلا ثم غسلت وجهي امام مرأة الحمام.. كانت التجاعيد شبه منتشرة وكأن عدوى الكبر أصابتني مبكرا، رغم نشاطي اليومي في العمل الا ان شيء ما يمنعني من الخروج، أحسست بشيء غريب ولم ادري ما هو، فنظرت من حولي . يبدو انني لم انتبه للبيت منذ فترة طويلة .. اتجهت نحو المطبخ وشعرت بيدي تتحركان بلا وعي مني فتأخذ واحدة غلاية المياه وتضبط الاخرى النار وتضع الثالثة القهوة وتعد الرابعة الفنجان، كان يخيل الي بأنني اخطوبوط يعد قهوة الصباح، أبعد عام كامل بدون قهوة استيقظ اليوم لاعد لنفسي شيء من الماضي! هل تجاوزت مأساتي وتصالحت مع نفسي! لم افكر كثيرا، جذبت الفنجان، واتجهت نحو الشرفة وأنا أرتدي روب النوم، ثم جلست ورفعت الفنجان لارتشف قليلا، وبعدها شعرت بشوق جامح لروزا! شيء لم اشعر به منذ وقت طويل، كانت صورتها في الفنجان ورغم اني لا اطالع الحظ الا انني عرفت بأن القهوة اختارت روزا لتكون يومي بعد عام كامل من العزلة... لم أكمل الفنجان ولم استطع، ارتديت ملابس العمل بسرعة وكأني هارب من شيء مخيف يلاحقني ونزلت السلم واتجهت نحو سيارتي، ثم عزلت عن قيادتها واثرت ان اركب المواصلات العامة... كنت اتخبط بالمشي ويبدو علي العصبية، لم اعرف لماذا كل هذا التوتر فقد تركت روزا منذ زمن وعزلتها بعيدا عني حتى في عقلي لكن شعرت بأنني لست على ما يرام....
ركبت تاكسي من الشارع كان السائق يبدو عليه انه مخمورا لكنني لم اعر الامر اهتمام كبير، قلت له ان ينتبه على الطريق فنظر نحوي ثم اخذ يغني لي اغنية فيروز "ليالي الشتاء الحزينة" شعرت برغبة في لكمه لكن فجأة انتبهت لذاكرتي، كنت قد نسيت الشوارع واخذت انظر من نافذة السيارة واتذكر الشتاء وفيروز وطريق طويلة من المحادثات الشديدة بيني وبين روزا، والسائق يسرع بالسيارة ويغني ويلتفت نحوي يضحك ويقول لي "النساء حمقى، يتركوننا بعد ان نتعلق بهم!" ثم يغني ويضرب ببوق السيارة حتى صرخت في وجهه ان ينتبه للطريق والا سيقتلنا فنظر نحوي بدهشة وكأنه استيقظ من نومه، وفجأة فقد السيطرة على المقود والسيارة واتجه نحو خط المشاة، فضرب بريك بسرعة ومن شدة الضربة وسرعة السيارة طارت السيارة في الهواء بسرعة ولمحت من النافذة وانا اصرخ واطير واتعلق بكرسي السائق واطلب النجدة، لمحت شيء جعلني اتوقف عن التنفس لثانية، كانت روزا فاتحة عينيها وضامة يديها على قلبها وهي تنظر نحو السيارة التي تتجه نحوها ..! كانت تصرخ بشدة وكنت صامتا وكنت ابكي ورغم ضيق الوقت الا انني ظننت بأنها لمحتني ثم حركت شفاهها من شدة الدهشة وقالت جاد! والتحمت السيارة بروزا بالسائق وبي....
في اليوم التالي كنت على سرير المستشفى نائم وفي يدي كانيولا وجبص في قدمي وعندما فتحت عيني سألت سؤال واحد اين روزا؟!
فاتجهت الممرضة نحوي وهي مبتسمة وتقول لي حمدلله على السلامة، فسألتها اجيبيني اين روزا؟
فقالت لي اتقصد روزا يونس؟ من حادث السير؟ نعم هي روزا ماذا حل بها!
مممم لقد فارقت الحياة... هل تعرفها؟
اسودت الدنيا من حولي... ان تتركني روزا وان اكرهها امر يمكنني تفهمه، أما أن لا تكون معي في هذه الدنيا امر لا يمكنني تخيله...
نظرت نحو الممرضة ثم سألتها عن السائق فأخبرتني بأنه في العناية المركزة والامل في نجاته ضعيف.. يبدو انني سأحمل وزر روزا لوحدي بعد ان يموت السائق المخمور مكسور القلب وحيدا...
طلبت من الممرضة فنجان من القهوة، فأخبرتني بأنه ممنوع الان، طلبت منها سيجارة، فأخبرتني بأنه ممنوع ايضا.. شعرت بضيق اريد شيء اضعه بين شفتي فأخبرتني بأنه يمكنني شرب الماء ثم اعطتني كأس من الماء، فنظرت فيه ثم قمت من سريري واخذت انزع الادوات الطبية المعلقة في جسمي والممرضة توبخني وانا لا اعيل احد اهتمام وخرجت من باب المشفى لوحدي وانا اسير اتجه نحو اقرب كشك ثم طلبت من البائع فنجان قهوة وسيجارة واخبرته ان يسجله على حساب رجل القهوة، ولولى انه يعرف من انا لطردني لكنه اعطاني ما اريد ثم قال لي "البقية بحياتك يا دكتور" فأشعلت السيجارة وارتشفت من الفنجان وقلت له لم يبقى شيء في حياتي يا رجل، ربما علي الان ان ابحث عن حياة اخرى..
وتركت المشفى وانا اعرج على قدمي المجبصة وجميع من في الشارع ينظرون لي وكأنهم يشاهدون مهرج خارج من عملية للتو اما انا فكنت ارغب بالجري واحاول ان انزع الجبص من قدمي لكنني لم افلح في ذلك فواصلت الحركة ببطء نحو البيت حتى ساعدني احدهم وأوصلني لمنزلي بسيارته ثم تركني لادخل بيتي ولم حتى اعزمه على الدخول لشرب الماء رغبت بالجلوس وحدي فقط وبعدما دخلت البيت ارتميت على السرير واخذت انظر نحو السقف واغمضت عيني واخذت اتخيل روزا وهي تحرك شفاهها وتقول جاد، ثم أكملت، اشتقتُ لك...
في اليوم التالي استيقظت، كنتُ منهكاً جداً، وخائفاً ان يكون الامر حقيقي، نظرت حولي، فإذا أنا ملقى على السرير، وقدمي السرى مجبصة بجبص مهترئ، وارتدي ملابس المرضى، حاولت أن استوعب الامر للحظات، ثم انهرت في دموعي وانا ابكي بحرقة، واصرخ، روزا لا تركيني..
لو أن الزمن يعود للوراء قليلاً ربنا كنت سأحاول أن اكون اكثر انتباه لها، او ربما حاولت ان استعيدها مرة اخرى، ربما كنت سأتابع اخبارها قليلا علي اجد لي فرصة مرة اخرى... لكن يا صديقتي لا شيء يعود، ولا حتى تلك اللحظات الجميلة التي عشتها معها..
استعدت عافيتي ببطء، لم يعد شيء يهمني، اكملت حياتي بشكل عادي، لم اخذ ايام اجازة اكثر مما هو متوقع، ولم اتباطئ في العمل.. كنت اعمل كما في السابق، لكن هناك شيء في وجهي لم يعد كما كان، وهناك بريق اختفى الي الابد..
قمت بزيارة السائق المخمور في المشفى، كان قد استعاد عافيته بشكل ممتاز، لكنه بقي عالقاً قبل الحادث، عندما رأني دمعت عينيه وقال لي نحنً الحمقى، عندها أومئت له بنعم واشعلت له سيجارة في غرفته في المشفى، وتكلفت في كافة مصاريف علاجه، الغريب حقاً اني ام أكرهه، كان نوعا ما ضحية مثلي تماماً.. وكم هي الحياة ساخرة عندما يتعلق الامر بمن نحب، كانت كل فترة تأتيني فكرة أنني قتلت روزا الجميلة..
الايام رتيبة يا روزا، كنت اتنقل ما بين العمل، وما بين المقهى، وفي يوم من الايام كنت امشي بجانب المكتبة، فأردت أن ازورها، علي ابكي على ذكرياتنا معا بين الكتب..
تفاجأت حقاً عندما اخبرني امين المكتبة ان روزا كانت تأتي كل يوم تنتظرني، بالساعات وتقرأ قليلاً لعدة اشهر، شعر بغصة عندما واتتني فكرة ان روزا لم تنسني حقاً وانها حاولت ان تتصل بي، لم تترك لي رسالة، لكن الامر كان واضحاً، روزا كانت بانتظاري..
ربما لو نظرت خلفي قليلاً لوجدتها تناديني، جاد لاتذهب وتعال نتحدث... لم أفهم يوماً النساء ولا اعتقد بأنني فهمت روزا..
ما رأيك بقصتي؟
في الحقيقة، لا اعرف ماذا اقول لك، انت حقاً عميق، لكنك مسكين يا جاد، لا اتمنى أن يحصل ما حصل معك لأي شخص أخر، ولا يستطيع ان يلومك احد على اي شيء، ربما من الأفضل أن تنسى يا جاد!
جاد اغمض عينيه قليلاً وشعرت لوهلة أنه يتذكر نظرة روزا له خلال الحادث وهي تحرك شفاهها باسمه.. لم أدري كيف أنهي المحادثة معه، فهي محادثة بلا نهاية، ولم ارغب بوضع نقطة النهاية في قصة عزيزي جاد، لكن لا اعتقد أنه يملك الكثير ليخبرني به الان.. اما قبعته فأصبحت بلون رمادي، فلا هي بين الاسود ولا الابيض وكأنه معلق بين عالمين.. واما نظرته فكانت تجاه الطاولة وهو يلعب فنجان القهوة.. ثم نظر الي وقال: روزا، لا اعرف ان كنت حقيقية، مع انني اتمنى ذلك! لكن ربما انا الخيال في حقيقتك، لكن، انا سعيد بمحادثتك يا عزيزتي...
استيقظت روزا من نومها العميق، كانت على سريرها الخاص هذه المرة، لم تكن في مكان وكر رجل القهوة، ولكنها عرفت انها الان في بيتها، شعرت بأن كل ما مرت به هو مجرد حلم طويل، وأن لها حياتها الخاصة التي اخذها منها رجل القهوة قليلاً وهو يروي لها قصته.. قامت من السرير وهي تشعر بحيوية غريبة، اتجهت نحو المطبخ، بحثت في خزن المطبخ عن القهوة فلم تجدها، كانت بحاجة لها حقاً.. قررت ان تخرج تشرب القهوة في اي مكان قريب، كانت تشعر بغرابة حقيقية لكل ما حصل لها ولكنها كانت تحتاج جرعة من القهوة.. ارتدت ملابسها وخرجت في الشارع لا تعرف اين تمشي، كانت قدماها تقودانها لمكان غريب، لمحت روزا من على بعد شارعين يافطة لمقهى قديم، اتجهت نحوه، وعندما دخلت، تفاجأت بأن المقهى هو نفس وكر رجل القهوة، لكنه مليء بالناس، وكان هناك رجل يعزف موسيقى حزينة على البيانو، ركزت روزا في وجوه الجميع ثم انتبهت لشخص بعينه، كان رجل انيق جداً يرتدي قبعة، ويجلس على طاولة قديمة حقاً..
اقتربت روزا من طاولة الرجل بريبة، ثم جلست على الكرسي المواجه له، وابتسمت في وجهه وهي تشعر بالدهشة حيث كان فعلاًً هو رجل القهوة، ولكنه لم يدهش مثلها، ولم يعطي الامر اي اهتمام، قال لها: مرحباً بك هل يمكنني مساعدتك يا عزيزتي؟
عندها ابتسمت روزا في وجه رجل القهوة وصافحته وقالت: روزا عبد الغني، صحافية، ولدي كلام كثير أريد أن اخبرك به يا دكتور جاد..
ابتسم الطبيب الجالس أمامها وقال لها هل أطلب لك شيئاً؟
فردت عليه روزا بشيء من الحيوية وكأنها نالت أكثر مما أرادت وقالت، ارغب في فنجان قهوة من الحجم الكبير وأرجو ان تطلب لنفسك نفس الشيء..
جاد نادى النادل وطلب منه فنجانين من القهوة، ثم نظر في عيني روزا، وقال لها، روزا! هذا الاسم له حكاية طويلة معي..
اما روزا فكانت مشغولة بتفحص وجه رجل القهوة ثم تداركت الموقف وقالت، أعرف تماماً ما الذي تريد أن تخبرني به يا جاد، ولكني أريد أن اخبرك هذه المرة بقصتي ايضاً..
وضع النادل فنجانين من القهوة من الحجم الكبير، ثم استأذن من روزا وجاد وكل منهما ينظر في عيني الاخر ثم تناول كل منهما فنجانه وارتشف منه قليلاً.. وبعدها نظرت روزا في وجه رجل القهوة واخذت تقص عليه قصتها وهو يستمع لها بتركيز كبير وعيناه تنفتحان على اخرهما دهشة بما يسمع..
النهاية...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق