الثلاثاء، 24 يناير 2017

رجل القهوة الجزء الثالث




الحياة عميقة جداً وهي ليست فقط الأحداث المتسلسلة التي تمر من حولنا ومعنا.. كل شيء مرتبط، ونحنُ من بين الارتباطات نفقد أنفسنا ثم نفقد طريق عودتنا، ثم ننسى كل ذلك ونحيا من جديد، نحن ببساطة مثل طائر الفينيق، نحسن النسيان! روزا عرفت رجل القهوة، رغم الفترة القصيرة التي عاشتها معه، رغم أنها لم ترى منه إلا جانب واحد من شخصيته الغامضة، لكنها عرفته حقاً، فرجلها عميق جداً لكنه هش وتستطيع أن تقرأه مع كل الحواجز التي يضعها حوله، ببساطة تستطيع أن تتخطاها جميعاً وتقفز من فوق لترى رجل حساس، سئم الحياة بحماقاتها، واعتزل البشر.. لكنك لن تستطيع فعل ذلك إلا عندما يسمح لك رجل القهوة أن تدخل كهفه، وهذا ما حصل مع روزا العزيزة..
بعد دخول رجل القهوة الغرفة السحرية التي يملكها، والتي لم تجد روزا بها اي شيء حقيقي، اختفت علامات التعجب عن وجهها وبدت عليها امارات الذهول، والذي حدث كالتالي.. يدخل رجل القهوة الغرفة السحرية بعد ان يدفع الباب ببطء، فيسري شعاع منير خلال الباب الموارب نحو الغرفة ليتسلط على روزا  الجميلة، وتكون هي واقفة بجمالها الخلاب، أمام طاولة رجل القهوة، فيتفاجأ الأخر، حيث لم يعتد روزا بهذه الوضعية، لكنه يبتسم نحوها ويقترب منها، ويجلس أمامها بشيء من الحذر، يضع الخاتم الفضي على الطاولة، ثم يتذكر شيء مهم جداً، لا تحلو اللقاءات بدونه، فيغمز روزا، ويتجه نحو البار، يضع غلاية الماء الساخن على عين مشتعلة، ثم يغلي الماء على مهل، وبهدؤه المعتاد، يضع القهوة لتفور وتملأ الغرفة برائحتة البن المغلي الطيبة، فينتبه رجل القهوة للرائحة كأنه يشمها لأول مرة ثم يحاول أن يسرق شيء منها بأنفه ويتناسى وجود روزا، لكن الاخيرة تفقد صبرها، رغم أنها عودت رجل القهوة على الصمت الطويل، إلا أنها الان وبشكل غريب ترغب بالحديث فقط، كأنثى تتحرق شوقاً للكلمات.. روزا تفتقد رجل القهوة رغم وجوده المكاني معها، فجأة صاحت في وجهه، وحركت يديها بشكل انفعالي قائلة "اجلس! لا أريد أن أفقدك.. فقط كن حقيقي وكن أمامي!"
رجلنا لم يعتد روزا تتحدث، فشهق امامها ثم أخفى انفعاله، وكأنّ الانفعال شيء غير محبب في قاموسه، ثم نظر في ساعته الذهبية للحظة وكأنه يخفي ذهوله بين عقارب الساعة، و تمتم تجاهها بكلمات منتقاة يبدو انه قرأها في كتاب ما من كتبه التي قرأها سابقاً فرجل القهوة، اعتاد القراءة وحده، والعزف مع الناس! "لا نحسن البدايات الا بها ياروزا.. انا احتاج ان ارتشف من نفس فنجانك.. من قهوتك .. من يومك.."
ابتسمت روزا، ونظرت تجاهه تحاول أن تكتشف ما الذي سيفضح كذبته، لكنها عندما حدقت قليلاً ساورها شعور بأنها تعرف حقاً رجل القهوة، بدأت تفكر مع نفسها، هل رجل القهوة يعرف شيء عنها ويخفيه لنفسه! اتجه رجل القهوة نحو الطاولة، ونظر نحو الخطوط المرسومة بعناية، ثم وضع يده عليها وكأنه يرغب بمصافحتها، وجائه احساس بأنّ الطاولة، والخطوط المحفورة عليها، وكل ما حولها، يحاول أن يذكره بتاريخ قديم عاشه وحده لم تسطره الكتب..

"القهوة نبيذ العشاق"، هكذا اضاف رجلا القهوة لروزا وهو يقدم لها فنجانه، ويجلسها على كرسيها، ثم يعود نحو كرسيه بهدوء ويجلس أمامها.. لم يعتد رجل القهوة روزا تتحدث، ولم يعتدها تشرب القهوة، لكن هناك نقطة في حياة أي شخص يصبح عندها مشوش وتأتيه فكرة بأنه لا يعرف أي شيء عن الأخرين، أو الحياة من حوله، رجلنا لا يبدو أنه يعرف شيء عن روزا، هو يرغب بها، يتحرق شوقاً ليسمعها، يحاول أن يشم أنفاسها بعد أن يصتادها من شباك رائحة القهوة، ويرمي كل مرة بطعم جديد محاولاً أن يدمجها بقصصه علها تسأله عن أي شيء خلالها، هو ذكي جداً ليدرك أن روزا عندما تتحدث سيكون جل حديثها عنه وعن قصصه التي رواها لها..

الطاولة القديم تبدو كقطعة شطرنج، وهناك لاعبان فقط، وكلاهما ملك، وأول حركة لكلا الطرفين هي كش ملك، رجل القهوة خلال لقائاته مع روزا التي ظهرت من اللاشيء، كان يعدها نحو سؤال مهم جداً وهو من أنتِ! وروزا عرفت من أول يوم أن هناك خطأ ما وأنّ وجودها هنا يعني عدم وجودها في مكانها الصحيح لكنها استمتعت بحسن صحبة صاحبنا، وحاولت أن تؤجل تساؤلاتها ليوم تكون فيه أكثر استيعاب للأمور.. روزا لم تتسائل كثيراً في البداية، فقد كانت شبه مصدومة، وكأنّ ذاكرتها مسحت تماماً ولم تعد تحتمل أي شيء أخر، لذلك حاولت أن تتناسى الأسئلة الأساسية للوجود مع رجل القهوة، واستمعت له، ولقصصه، وكونت فكرة عن شخصيته، لكن عند نقطة معينة، وجدت أنّ وجودها تعدى المكانية، فهي الأن في بعد أخر من الوجود، بعد تحصل عنده تغيرات كبيرة على مستوى الكون، والذرة، وجدت أنها في بعد الحُب! لهذا رغم الصمت الطويل، كل ما أرادت أن تقوله يوماً، هو كلمة واحدة فقط..

لو كان هناك فايروس يسمى فايروس الحب لبرّر الكثير من العشاق ألمهم وحمقهم، لبرروا، مشاعرهم المتناقضة ولبرروا تقبلهم للهزيمة، والانكسار بكل روح رياضية.... ببساطة وجود فايروس الحب يعني أنّ الرجل والمرأة ليسوا اكثر من مرضى، والأجمل من ذلك، لا أحد يرغب بالشفاء.. روزا تعتقد بأنّ فايروس الحب انتقل لها من فنجان قهوة الشخص المقابل، فهي لمسته، وارتشفته، ولم يتبقى لها إلا أن تستحم به! وربما لو طلبت ذلك لسكبه رجل القهوة عليها فوراً، هكذا فكرت مع نفسها..

بعد دقائق من الصمت، تحركت عقارب الساعة، فانتبهت روزا فوراً ورغم أنّ الأمر كان محير وصادم لرجل القهوة إلا أنه تابع النظر نحو روزا وكأنه يراقب انفعالاتها ويحاول أن يتذكرها لاحقاُ..
أما هي فكانت تظن بأنّ هذه الغرفة مجنونة مثل صاحبها الغامض، فهي لا تعرف أي شيء الأن، وكل ما تتمناه هو أن تستيقظ قبل أن تتورط أكثر بشيء لا يمكن الرجوع بعده... 
وضع رجل القهوة قبعته على الطاولة، فتغير لونها عدة مرات ثم عاد للون الكحلي المعتاد، لم يبدو أن رجل القهوة مهتم كثيراً بأمر القبعة لكنّه كان يحدق بفستان روزا بشيء من الاعجاب، ثم تراجع نحو الكرسي قليلاً واطلق تنهيدة طويلة، ونظر نحو يده ووجه نظره لروزا، التي فجأة بدأت تتحدث!
" كان الامر صعب علي في البداية، لا اعرف لماذا كنت صامتة جداً لكنك كنت هادئ أكثر مني.."
"روزا... بحق الله!، من أنتِ؟"
"لا أعرف، لكنٍ لدي فكرة عنك أنت"
"ما الذي تعرفينه عني؟"
"لا اعرف الكثير لكني اطلقت عليك لقب رجل القهوة، كما أن هناك شيء عميق يجذبني نحوك، لا أظن أن وجودي هنا مصادفة! لكن بقدر جهلي، أعتقد أن الاجابة تكمن عندك"
" أنا لا أعرف كيف جئتِ ومن أنتِ لكني اعتدتك يا روزا، ولدي خبرة قصيرة في الحياة تجعلني لا أتسائل عن الاشياء كثيراً، فأنا فقدتُ الكثير، وأرغب الأن بالعيش والعيش فقط يا روزا"
"لماذا أنت حذر جداً في العيش اذا! لماذا لا تتخلص من نفسك في الفراغ لتجدها تعود لك؟ ألا تعلم أنك حتى تجد نفسك لا بد أن تفقدها يا رجل القهوة!"
"روزا أنت تذكريني بشخص عزيز على قلبي.."
"بمن أذكرك يا عزيزي؟"
"تذكريني... بروزا!"

فجأة اقتربت روزا أكثر من رجل القهوة، وارتشفت من فنجانه، وهي تثبت النظر نحوه، ثم وضعت الفنجان على الطاولة بقوة وابتسمت وكأنها الأن تستعد لسماع قصة جديدة من قصصه التي اعتادتها، قصة بعيدة عن الخيال وأقرب للواقع، قصة ملحمية بطلها رجل واحد، رجل يشكل الأن شيء مهم لروزا... رجل القهوة..

اما هو، فتابع النظر نحو الساعة وكأنه يستعيد شيء ما حصل في الماضي، ويرغب فقط لو أنّ العقارب لا تخونه وتتراجع خطوة للوراء عله يكن أقدر على وصف شيء ما يهمه، ثم لمس الخاتم الفضي الخاص بروزا وقال لها بمثل هذا الخاتم قبل عدة سنوات، بدأت قصة جميلة، ككل الحكايات كانت لامعة جداً حتى اعتقدت أنني لن امل من الابتسام خلالها، لكن يا عزيزتي شيء ما حصل وبعدها تغيرت الامور يا روزا..
"ما الذي حصل؟"
"أولا ناوليني فنجان القهوة، فأنا الأن بحاجة لها أكثر من أي وقت مضى!"
ارتشف رجل القهوة من قهوته، من نفس المكان الذي ارتشفت منه روزا قبل أن تتحدث، وكأنه كان يحاول بذلك أن يستمد من قوتها لقوته، حتى يستطيع أن يحدثها بقصته الخاصة، ثم قال لها
"اعتدتُ المجيء باكراً بتوقيت الحُب"
يُتبع...

الاثنين، 16 يناير 2017

رجل القهوة الجزء الثاني

رجل القهوة
اعتدتُ المجيء باكراً بتوقيت الحُب.. شيء ما يشدني نحو روزا.. سابقاً كنت اقل انجذاباً نحو الحياة، كنت الرجل الذي أرهقته الايام وتعداها نحو تكوين فلسفة خاصة تزهد في كل شيء وترغب بالوحدة! خضت حروبي الخاصة، وقاومت اللإنزلاق نحوا التريدميل الحياتي حيث لا ينتهي الا بمنعطف الموت.. وكنت سعيداً بوحدتي، الحياة يعني أن تتألم وهي ليست سهلة، وكلما كنت محاطاً بأقل عدد من الناس كلما قلت الخسائر، لكن عند لحظة معينة ظهرت روزا من العدم! وعندها تغير كل شيء! شعرت بأن الاله يعاقبني لفلسفتي الخاصة، وأنني لست بدعاً عن سابقي، فكلنا نبني قلعة من الاوهام نختفي داخلها ثم يأتي شخص يطرق الباب.. وأنا لم أكن أحب طرق الأبواب.. روزا ماذا فعلتي بي! أبعد كل تلك السنين من الهجر والحروب وقراءة الكتب أتيتي لتوقظي شيء مات في داخلي، الم تجدي غيري فخرجتي من رماد قهوتي ودخلتي قلبي وشققتي عني.. أنا تائه يا روزا وأنا متجه نحوك...

اعتدتُ كل صباح أن اتجه نحو البار الذي بنيته انا بنفسي، طوباً طوباً وكأساً كأساً.. لم أكن أدع احد يبني شيء خاص بي، ولكني في يوم ما وجد شخصاً استهلك الفراغ فيه وظهر من المجهول على كرسي واحد، وأمامه طاولتي المفضلة، القديمة والمتهالكة، والمحفور عليها الكثير من الخطوط، كنت كل يوم احفر على خشبها المتهالك بخط جديد يعني يوم اخر اقضيه وأنا أنا أذكر تماماً متى بدأتُ الحفر، وتلك قصة أخرى.. أما منذ ذلك اليوم الملون بروزا، توقفت عن الحفر، يومها غارت الطاولة، وربما انتظرت أن احفر على مكان اخر، ربما قلبي!

ظهرت روزا من المجهول، بدون دعوة وفجأة، كما كنت أحب أن أقابل الناس، لم أكن أقابل أي احد عن سابق معرفة او دعوة، ولم اكن ادخل عليه بالإذن، كنت أفاجأ كل شخص ارغب بمكالمته، أدخل له من حيث لا يتوقع، اواجهه، ولا انتظر، وهكذا كان الناس يعرفونني رجل المجهول، لا تتوقع متى يأتي ولا كيف يأتي، أما روزا فعرفتني برجل القهوة، حيث هناك دوماً فنجان واحد يفصل تاريخين!
لماذا ظهرت فجأة، ولم تعطيني ترف البداية، ربما لأني كنت أتي دوماً في المنتصف، فأتت هي في النهايات، وهذا جعلني اضع علامات استفهام على ظهورها! اعني كيف لشخص ما ان يظهر من العدم، في قلعتي الخاصة، حيث لا يملك أحد مفتاح الدخول.. هل أعطيتها مفتاحي الخاص في حياة أخرى أو عالم موازي؟ ام هي ربما تملك كل المفاتيح في العالم، واختارتني انا حيث هناك العزلة ترافقني! وربما هي مجرد جنون في خيالي، او فكرة خفية تركتها لغبار الزمن ثم ظهرت تقاتلني على كل ذلك التاريخ المتروك وحده.. وأنا لم اظن يوماً أنّ هناك فرصة اخرى يمكن أن تعطى لشخص بائس، أما بظهور روزا، بدأ شيء جديد يتكون، وخيط رفيع يرسم، كأن العالم الذي أعرفه تنكر لي وبدأ يقابلني بجنون من نوع أخر، جنون روزا!

كل صباح اتجه نحو عرش روزا الجديد، مكاني السابق! ثم اقترب من حلقة الباب وامسكها بيدي، ويساورني شعور قاتل بأن علي طرق الباب كما لم افعل سابقاً.. ثم انهي الموضوع بتصرف عملي وحيواني من خلال الدخول عنوة بدون سابق انذار، فأجدها على الكرسي الثاني، الذي اعدت ان اراه فارغاً في مواجهة الطاولة، وأمامها اللاشيء، فأملؤه، بفنجان قهوة من الحجم الكبير، لها! وربما لي انا.. وأضع على الطاولة خاتم فضي يخصها وانتظر ان تفتح عينيها ليشرق قلبي..

أذكر ذلك اليوم جيداً ... بداية معرفتي بروزا، عندما كنت متجها لمخدعي السري كعادتي، مكاني المفضل، البار الخاص برجل القهوة، لا يدخله الا هو ولا يشرب قهوته الا هو، ولا يملئ فراغه الا هو!
يومها كنت بائس جداً و افكر في شرب كل مخزوني من القهوة، ربما اغط في نوم عميق بعدها ولا استيقظ الا كالسكارى الذين فقدوا اعز ما يملكون، فقدو عقولهم.. احتجت أن افقد عقلي قليلاً، ألا يصيبكم شعور بالرغبة بالنسيان احياناً؟ خصوصا عندما تكونون أكبر من حاضركم وأقل من ماضيكم ولا تعلمون هل هناك في الفراغ القادم كرسي لكم للانتظار؟
يومها وقفت أمام الباب وعلى سبيل السخرية، امسكت بالحلقة وطرقت الباب! شعرت بأنني احمق ويومها فقط وجدت روزا!
فتحت الباب، وفوجأت بشبح شخص ينتظر في الظلام، فصرخت من هنا ولوحت امامي بمسدس شخصي من نوع الربع غالي الثمن والذي من النادر الحصول عليه فشعرب بالفخر للحظة لأنني ارفع مسدسي في وجه اللاشيء ثم انعمت النظر لأجد جمال رباني متربع امام طاولتي ويغط في نوم عميق ويمسك بيده الصغيرة خاتم فضي يلمع وسط العتمة!
عندها اخذت اصرخ بوجه روزا ان تستيقظ، ولم تفعل، فحركتها فكادت ان تقع، فشعرت بارتباك لم اكن اشعر به قبل ذلك! ثم جلست امامها عدة ساعات ولم تفق! فقررت أن أخذ روزا الى بيتي.. غير أن الرياح لا تجري كما تشتهي انت ولكن لها بروتوكولها الخاص اذكر أنني امسكت بيد روزا وأخذت الخاتم منها  ثم بلمح البصراختفت روزا.. كفكرة، كحلم.. اختفت، وشعرت عندها بشعور لم اكن احبه... الفقدان...
شددت يدي على خاتمها ونظرت عالياً نحو السقف القديم وصرخت في الظلمة وبأعلى صوتي،" لقد نسيتي شيء يخصك، وان كان يهمك ستعودين له! يا فتاة المجهول سأنتظرك!"

ظننت بأنني فقد عقلي، وأن روزا هي مجرد هلوسة او خيال فكيف لفتاة ان تظهر من العدم وتختفي للعدم! ولم أكن أؤمن بالخرافات، فظننت بأنني فقد عقلي، وأنّ الحياة تسلبني نفسي بالتدريج.. فنظرت جهة الخاتم الخاص بالفتاة، وفجعت لما وجدته.. كان مكتوب عليه "روزا" عندها تيقنت بأنني فقدت نفسي وسط العتمة وأن ظهور النور ما هو الا محض اضطراب نفسي..
تناسيت روزا ووضعت الخاتم بجيبي رغم أنني لم أصدق بوجود شيء من ذلك الشبح الذي ظهر فجأة.. والحياة تمضي بكل ما فيها من احداث وقد تكون أنت احياناً واقف في نقطة ما من الزمن ولا تريد المضي قدماً ثم تتدارك الزمن وتجري بكل ما تملك من قوة حتى تدرك نفسك قبل أن يفقدك الأخرون..

أحببت فكرة ظهور تلك الفتاة التي أعادت شيء ما داخلي نحو الحياة وتمنيت أنها حقيقية، فكيف أكون أنا حقيقي وهي خيال ربما أنا مجرد خيال في عقلها وهي ظهرت لتعطيني اشارة بأنني لستُ وحيداً...

في صباح اليوم التالي، عدت نحو البار وأنا امارس السكر مع فنجان القهوة، غير مبالِ بما حصل وكأن روزا كانت كذبة ابتدعتها للحظة لأخفف من عزلتي وأشاهد الفراغ يمتلئ بأنثى من نوع أخر، شخص يشبهني عندما لا يراني أحد، عندما أكون منعزلاً وأمامي طاولتي، وفنجان قهوتي، وكتاب لأقرأه وحدي... وعندما فتحت الباب عنوة خالٍ من الأمل وجدت روزا أمامي عادت من اللاشيء لتستمع لقصتي.. أنا رجل القهوة! وهي نائمة كما رأيتها أول مرة...
هل لأنني أعتدتُ القراءة وحدي ظهرت هي لتأنسني، أم تراها هاربة مثلي ولم تستطع بناء مخدعها الخاص فقتحمت علي عزلتي، هل روزا ضلت الطريق، ام أن القدر اختار لها عذاب من نوع رجل القهوة! 

 ومنذ ذلك اليوم وأنا استيقظ كل صباح ولا أعرف لماذا، ولكني احث الخطى نحو المجهول كل يوم، وأنا الذي اعتدت الحقيقة، ترني اغرق في كذبتي، هل روزا هي كذبتي المفضلة؟ التي اخترت ان تشاركني عبث الايام، لعلها تجد في وجودها معي متعة ولعلي اشبع بها نزواتي الشخصية..
وكلما وقفت امام باب البار لم اطرق الباب، ولكني اقف لدقائق امارس الصمت مع نفسي واستشعر حجم الفاجعة التي اعد نفسي لها في حال أنني لم اجدها تجلس كما اعتدها.. وكلما مرت الأيام استيقظت روزا شيء فشي، ونظرت نحوي بشيء من الخجل وهي تراني احدثها بكل شء قرأته وعشته وأتلو عليها قصصي وحروبي مع نفسي والعالم، وكلمما تجرعت أكثر كلما استيقظت أكثر، وكأنها مع الوقت تملكني، فتشرب من فنجان قهوتي، وتعبث بيدي، وتسترق النظر نحوي وتنمو، روزا تنمو وتمتلئ بي، وأنا من أول نظرة امتلأت بها..

ومع الأيام أتناسى بدايات روزا وأنها ظهرت من اللاشيء، وحتماً ستختفي يوماً ما.. واعيش معها كل يوم بيومه، أنقل لها تجربتي وأنتقل لها من عزلتي وتستيقظ..
وكلما مر الوقت اصبح فستانها أزهى من قبل، فانعكس على قبعتي، وأصبحت أجمل وأكثر حيوية، وأنا اشتد قرباً وشوقاً..
هل ستتحدث معي روزا عندما تكتشف أنه لم يتبقى مني شيء، وهل سترضى برفقتي بعد أن تصل للوعي الكامل بشأن المرحلة.
لم أطرح أي سؤال عليها، ولكني أنتظر أن تحادثني بنفسها وتلقي علي بتعويذتها الجميلة..

وها أنا أقف أمام الباب، اتنكر لتاريخي الماضي واستمتع بالصمت لعدة لحظات قبل أن أفتح الباب وادخل عنوة كما اعتدات روزا النائمة..
أفتح الباب، واتركه يشق طريقه نحو النور، ثم اتجه بنظري نحو شبح شخص يقف امام الطاولة القديمة، تبدو عليه امارات الانزعاج والاشتياق.. روزا واقفة وتنتظر ويبدو انها ستتحدث! لم أكن من النوع الذي تظهر عليه المفاجأت لكني يومها تفاجأت حقاً ووقفت شبه مصدوم ولشدة الصدمة اتجهت نحو كرسيي وألقيت بثقلي عليه .. امام روزا.. ووضعت خاتم الفضة خاصتها على الطاولة ثم تذكرت أن الحديث لا يحلو إلا بفنجان القهوة، فاتجهت لأصنع فنجان قهوتنا... وعندها حصل شيء مذهل جعلني أفتح عيني عن أخرهما..وبكل غرابة الدنيا.. تحدثت روزا...
يتبع...

الاثنين، 9 يناير 2017

رجل القهوة


نتيجة بحث الصور عن ‪couples coffee‬‏




كانت دوما تجد نفسها في منتصف المحادثة، لم تعرف البداية قط.. في كل مرة تفتح عينيها تجده امامها على طاولة مربعة، يدردش معها، أمامه فنجان قهوة من الحجم الكبير، وخاتم فضة يضعه بجانب الفنجان. لم ترى عينيه أو وجهه سابقا، لا تعرف من هو، فقط ترى يداه تتحركان وهو يحدثها بأسلوب مشوق عن كل شيء، كل ما تعرفه أنه يبدو رجل أنيق جداً، يرتدي بذلة كحلية اللون، يخرج من طرف كمها قميص ناصع البياض، وساعة قيمة جداً، كان يضع قبعة كل مرة تكون مختلفة اللون، في بعض المرات رأته يرتدي قبعة زاهية الألوان، كانت تعرف مزاجه من خلال قبعته، فالقبعة الزاهية تعني أن مزاجه طيب اليوم، والقبعة القاتمة تعني أنّ مزاجه معكر، والقبعة البيضاء تعني أنه يرغب بالراحة فقط، والقبعة الحمراء تعني أنه غاضب، والقبعة السوداء تعني أنه مقدم على عمل خطير، وعندما يرتدي قبعته الكحلية تعرف بأنه يرغب بمحادثة عادية.. أحياناً سريعة..

لم تكن تعرف من هو، والأخطر من ذلك أنها لم تكن تعرف غيره! كيف لها هذا، كيف لها أن لا تعرف في الدنيا الا شخص واحد، وفي نفس الوقت أن لا تعرف من هو هذا الأحمق!

حتى المقهى الذي تجلس فيه لا يوجد فيه أحد للخدمة، كانت دوما تفتح عينيها لتجد يديه يتحركان امامها مثل يدا موسيقار مشهور يعزف الحان مشوقة على وتر الكلمات.. كانت تعشق صوته القريب من قلبها..

أحيانا تتسأل لماذا هي من دون الناس جميعهم تعرف رجل القهوة، وكيف لها أن لا تنظر نحوه، هل هو مجرد خيالات في رأسها؟ او ربما هي مجرد خيالات في عقله!

كل مرة كان يتحدث بموضوع جديد، لا تعرف معظم الذي يحكي لها عنه، كان يحكي لها عن التاريخ والسياسة والحروب، والاقتصاد، ومشاكل البطالة، والارهاب وداعش والافلام الجديدة وتاريخ الارض وأمريكا، والحيونات، ومشاكله في العمل، والناس من حوله والافكار الجديدة... أحيانا يروي لها حكايات ويربت على يديها بلطف.. تدرك عندها أنه يحتاج لعناق طويل... كم كانت هي ترغب به.

حدثها مرة عن الرقص، وكيف أنه يمكنه مراقصة جميع النساء مجتمعين ولا يذرف قطرة عرق واحدة.. وحدثها مرة عن خبرته باستخدام الأسلحة الفتاكة  بأسلوب حضاري وبرستيج! وحكى لها عن قصصه تحت الماء وعن محاولاته المستميتة لاصطياد قرش بحر بيد واحدة..!
كانت تصدق كل كلمة يقولها وتبتسم في وجهه .. تومئ له وتمسح بإصبعها طرف فنجان القهوة بشكل دائري وتنظر في خاتم الفضة..
لم تكن تنبث ببنت شفة، لم تكن تتحدث!

هو، أحيانا كان يرى غنج في عينيها، وأحياناً كان يرى انعكاس لحزنه في صفحات وجهها.. كان يعشقها ولا يدركها.. كأنها سراب أمامه، وفي كل مرة يختار قبعة تناسب لون فستانها الذي ترتديه، كان فستانها يدل على مزاجها، كلما كانت زاهية الالوان كلما كانت بمزاج ممتع وكلما كانت قبعته اجمل، ببساطة كانت قبعته مرآة لألوانها ومرآة لها..

كان يذهل باببتسامتها.. يفقد عقله.. يصبح أقوى رجال الأرض ويحدثها عن قصة أخرى أغرب من الخيال.. وكلما تعمق في المغامرة، كلما كانت اكثر شوقاً واستشرافاً له.. لم يدرك أنه يأسرها بتلك الكلمات ويجذبها نحو افكاره..
وكل ما كان بينهما هو قصصه، وقبعته، وفستانها، وخاتم الفضة، وفناجن القهوة، والكثير من القبول..
وكل ما كان يفصلهما، هو وجود طاولة قديمة متهالكة وكانت تعني الكثير..

نحنُ نُحدث الشيء الذي نفتقده يا عزيزتي، كانت هذه كلماته المشهورة. لم تفهم يوما ما يقصد..

مع الوقت ازدادت اكتشافاً لنفسها معه، كانت كل لقاء ترتشف شيء من قهوته، تسمع شيء من حديثه، تداعب خاتمه، تنظر إلى يديه قليلاً، تحاول استراق النظر شيء فشيء نحو وجهه، وكل مرة يصلها فكرة جديدة عن نفسها.

في احد الايام قال لها، نحن لا نكتشف انفسنا إلا مع الشخص الذي نحبه، ونحن لا نصبح أناس أفضل إلا مع من نحب.. في ذلك اليوم رأته يردد بين شفتيه كلمة مألوفة، سمعته يردد أسمها.. سمعته يقول "يا روزا" 

"ما هي الحياة إلا عبارة عن فيلم درامي كبير مليء بتفاصيل مملة.. هذه التفاصيل، هذه المحادثات، هؤلاء الناس يصنعوننا.. روزا نحنُ لا نكبر مع الزمن، نحنَ يا عزيزتي .. نكبر بمرور الناس.."
كان عليها كلما ذكر اسمها ان تسترق النظر نحو شفاهه وان تبتسم..

الحب يعني التوحد... التوحد في كل شيء.. في كل التفاصيل.. بدأت تتسرب لروزا افكار غريببة عن الحُب، وهو لم يذكره في حكاياته كثيراً.. هو كان يدور حوله بكل ما يملك من قصص ويلتف عليه.. ثم تفضحه، قبعته، فنجان قهوته، يداه، حتى الطاولة العتيقة كانت تصرخ بشيء ما.. شيء تحب روزا ان تتذوقه..

كان تعشق قبعته، ولا تدري ما سر تغير لونها بحسب مزاجه، وكان لا يرى إلا فستانها.. يحدق به طويلاً ثم يرتشف فنجان القهوة، احيانا كان يلمح فنجان القهوة بين شفتيها فيذهل..

 التفاصيل لا تهمنا إلا عندما يهمنا شخص ما، هكذا كانت تفكر، وبهذا كان يؤمن..
ربما يستطيع الزمن أن يحل الكثير من الامور، لكنه يفضحنا، يكشفنا بكل تفاصيلنا ويعرينا عن الحقيقة.. الزمن قرب روزا من أشياءه وقربه من نفسه وقربهم من اللاشيء ونحو شيء عميق .. جداً...

في يوم ما فتحت عينيها كما اعتدات دوما فلم تجده، وهذه اول مرة لا ترى نفسها في منتصف اللقاء.. ربما تكون اول مرة ستكون فيها في  بداية اللقاء هكذا فكرت.. يومها انتظرت كثيراً... ثم اخذت تحدق في الغرفة، تنظر اليها بتمعن، ثم تحركت من مكانها وسارت في درب لم تسره يوماً واخذت تتفحص الحياة من حولها.. كل شيء كان غير حقيقي، لا الطاولة، ولا فناجين القهوة على البار، ولا التلفاز المعلق، ولا الحائط ولا شيء، كل شيء كان اقرب للسراب، لا شيء تلمسه، هل هذه حياتها؟ هل هذه حياتنا؟

اخذت تحدق في ساعة الحائط، لم ترها تتحرك يوماً، " كيف للوقت ان يشفي اي شيء اذا كان عليلاً" بهذه الكلمات تفوهت.. والتفت نحو نفسها ودارت باتجاه الطاولة.. "لماذا انا غير متعجبة مما يحصل؟ لماذا لم افكر يوماً بالحياة خارج الغرفة؟" دارت روزا في افكارها، واستغربت من فكرة ان تكون هي فكرة، والاغرب من ذلك ان تكون هي فكرة تفكر، لكن ماذا ان كانت هي فكرة حقاً؟ ماذا لو لم يكن رجل القهوة الا حاجتها من الحنان؟ ابتدعتها حتى تستطيع ان تواصل اشتعالها، اختلقت وجود فكرة مكملة حتى تستطيع ان تحترق بشكل اكبر! دعونا نفكر بشكل مختلف قليلاً الأن.. ماذا لو كان رجل القهوة حقيقي وروزا من بنات افكاره...

لو كان لروزا يومها ان تغمض عينيها وتنام لفعلت، لكنها اكتشفت انها لن تستطيع فعل ذلك، لقد طار النوم بعيداً، وحل محله التوجس، ورغم ان الوقت كان متوقف نحو الساعة السادسة الا انها أحست بأن الزمن يسير بسرعة، وأنه فاتها الكثير، وتمنت لو انها فقط تفتح عينيها لتجد امامها فنجان القهوة، فحاجتها اليوم للقهوة تعادل حاجتها للحياة..

الانتظار صعب عندما تكون وحيدا.. الانتظار يعني ان تهمل تفسك وتتوقف عن العيش حتى يصل شخص اخر.. هو ان تبتدع نقطة حياتية جديدة بعيدة عنك تشترط حصول حدث معين.. الانتظار يعني موت مؤقت.. روزا انتظرت طويلا..

وانفتح الباب ودخل رجل مكتمل البنية جميل الشكل يرتدي بذلة كحلية يخرج من كمها قميص ناصع البياض وعلى رسغه ساعة قيمة.. شخص تعرفه روزا.. كانت مذهولة.. لقد انتظرت طويلا لكن الساعة لم تكن تتحرك.. لقد كبرت روزا ولم تكبر.. لقد انتظرته وهو لم يخذلها... دخل عليها بأسلوب أنيق.. لم يطرق الباب يبدو انه لم يعتد طرق الأبواب.. هو يدخل فقط.. يترك ظله خارجا.. لم يكن يحب الغرباء ثم يمشي نحو روزا مبتسما ويجلس أمامها... يخرج خاتم فضي من جيبه ويضعه على الطاولة.. يذهب نحو البار .. يمسك أحد فناجين القهوة الغير حقيقية فيستحيل لفنجان قهوة رائع.. يشغل الراديو الصباحي ليخرج صوت موسيقى هادئ.. ثم يقترب من روزا ويقول لها " يبدو انك استيقظتي ايتها الأميرة النائمة. لقد انتظرتك طويلا!"
شعرت روزا بأنه يخدعها.. هو لم ينتظر.. هي التي انتظرت.. لكن ماذا لو تسرعت روزا.. ماذا لو كان رجل القهوة في موعده المعتاد.. لكنها استيقظت مبكرا...
صاحت في وجهه.. اجلس! لا أريد أن أفقدك.. فقط كن حقيقي وكن أمامي!

"لا نحسن البدايات الا بها ياروزا.. انا احتاج ان ارتشف من نفس فنجانك.. من قهوتك .. من يومك.."
عندها التمعت عيني روزا وفهمت شيء خطير عن رجل القهوة..
يُتبع..