كأس بلاستيكي مملوء بالقهوة يرتع أمامي، قهوة ساخنة! شعاع خافت من الشمس يدخل بريبة من النافذة الجانبية للغرفة، وعلى جانبي اليمين مدفئة قمت بتشغيل عينين منها لأشعر بالقليل من الدفء ثم تنازلتُ عن ارتداء الجاكيت المبطن الذي أضع داخله تابلت اللينوفو الذي تظهر في واجهته رواية الشفق، وكنتُ أتسلى بها عندما لا أجد مريض أناكفه!
العديد من الأفكار تتضارب في رأسي وأنا أنظر عبر القهوة لعلي أرى فيها مستقبل مجهول، وربما كنتُ أحمق لأفكر بأنها صافية أكثر مما يعتيريني من فوضى!
أتخيل جدتي العجوز وهي تعجن الخبز بهدوء وتردد بصوت أجش، ربما هي حكمة الرب يا ولدي!
تدخل علي مريضة في أوائل العشرينات تحمل دفتر صغير أزرق فاتح يخبرني حدسي بأنها حامل جديدة، فلقد اعتدتُ مثل هذه المواقف يومياً، ثم تنطق وتخبرني بأنها هنا لتسجيل حمل جديد، فأبدأ روتيني المعتاد بالأسئلة المملة حول الحمل الجديد، وألخصها على الحاسوب، على برنامج الوكالة الالكتروني والذي قد سهل الكثير من الأمور، حقيقة العالم يتطور بسرعة!
في نهاية الجلسة ألخص ما كتبت بطريقة مملة وبخط سيء على دفتر الحمل، ثم أعيد لها الدفتر على عجل، لم أكن تفحصت وجهها بعد، إلا عندما واجهتني بطلب استفسار، عندها نظرت إليها بشيء من الريبة، وطلبت منها أن تتفضل بالسؤال...
للحظة عج الصمت، وبعدها وبكل وجع الدنيا شاهدت امرأة في بداية العشرينات تذرف الدموع بصمت وتتسائل " كيف لي أن اتخلص من الإحباط والكأبة في الحمل؟"
كم أحسست بالفوضى، حاولت المناورة بلطف، فقلت لها جارتي هي المرشدة النفسية، ما رأيك أن تذهبي لزيارتها والاستفادة من خبرتها فهي تستطيع مساعدتك بكل تأكيد..
أحياناُ علينا أن نصغي للصمت، وأحياناً علينا أن نستمع قليلاً.. هكذا شعرت لوهلة..
أحدهم قالي لي يوماً بأن كل من تراه لديه معركة يخوضها، فهون عليه!... هذا الشخص تحديداً كان حقيراً في معاملة الناس.. ياللسخرية!
عندها تداكرت الموقف وهي تعود برأسها إلى الخلف شاعرة بكل الأسى وفي حركة درامية تمر ببطئ، وتقول لي بصوت متهالك هكذا اذاً! فقلت لها محاولاً بكل ما أملك من هدوء، وتسارع حديثي بشكل يبعث على الحماس وأنا أتفوه بالكلمات التالية، حيث قلت لها بأن الاحباط في الحمل يحصل ولا يعني نهاية الحمل ولا يعتبر امر جلل، هو مشكلة بسيطة تحتاج أن نفكر فيها قليلاً ونعالجها بتقسيمها وحلها من خلال خطوات بسيطة تبدأ من خلالك وتشمل الجميع، ودعيني أبارك لكي الحياة الجميلة داخلك، وربما هذا ابتلاء بسيط من الله يختبر فيه مدى ايمانك، عليكي أن تكوني قوية، فتهتمي بطفلك، عله يهتم بك ما تبقى من حياة..
كانت هذه الكلمات مفاجأة لي بشكل ما... ربما الحكمة تدخل من خلالنا عندما نكون في مواجهة فنجان القهوة بجانب المدفئة ونستمع إلى مأسي البشر، علي أن أعمل في راديو الواقع!
نظرت الفتاة بشي من الحزن، وقالت لا أريد أن أتخلى عن طفلي، لأني محبطة! ليتهم يفهمون!
عندها نظرتُ في النافذة وتفحصتُ السماء، كل المشكلات تتعلق بمن حولنا وقدرتهم على ملاحظت التفاصيل، فنحن ننسجم مع سعادة المجموعة، خصوصاً عندما نكون مربط الفرس في شيء يشمل الجميع بشكل أو بأخر... عدتُ برأسي لها مع ابتسامة لطيفة، وعينين متوهجتين بشيء من الحماس وقلت هيا، اذهبي إلى المرشدة النفسية، الأن أنتي لا تملكين حياة واحدة، ياللحظك!، هناك روح جميلة داخلك، تنتظر بداية رحلة رائعة!
تقوم الفتاة ببعض الحذر، تنظر مطرقة نحو السقف ربما تحاول تعديل ظهرها المقوس، تمشي بخطوات بطيئة مع القليل من التفكير، وتتركني في مواجهة كأس القهوة، والذي لسوء الحط كان فارغاً!
أين اختفى، ومن قام بحتساء قهوتي، ربما علي أن أنبه المدير للسرقات الفظة التي تحدث في عيادته ..!
بعد عدة دقائق، تدخل فتاة أخرى، ولكن هذه المرة تعاني من الرشح، وتطلب مسكنات الألم.. أحياناً أستحقر عمل الطبيب الذي لا يملك مدفئة..
تركتها تشكو ألامها، وأخرجت تابلت اللينوفو وتفحصت الرواية الجديدة، ربما علي الأن أن أكون أكثر حكمة في استغلال الوقت...
وهناك على بعد خطوات من مكاني، كانت امرأة حامل مدهوشة من عظم ما هي فيه من نعمة فهي الأن روحين في جسد.. لماذا لم تفكر في ذلك من قبل!
_____
د يحيى البورنو
9/2/2016

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق