انطلقت مشيا تجاه محطة انتظار الباص الذي سيقلني إلى مقر عملي في النصيرات، اتوقف مدهوشاً في مواجهة محل زهران للمأكولات الشعبية، يوم جميل كهذا لن يمضي ومعدتي فارغة! اطلب سندويتشتين واتجه مغذ الخطى نحو الباص اللعين، ربما علي أن أكون أقل احتراماً للمواعيد فأصل متأخرا قليلا، لكن لجبني لن اجازف في اعطاء السائق فرصة لتركي خلفه، سأقتله او فعلها!
أصل العيادة واليوم كالعادة سأجلس مكان طبيب أراد أن يقضي يومه مستجما في منتجع بيته وربما حديقته الأمامية! سخافة! ربما علي أن أتمنى لهم حظ جيد هاها
أن تكون طبيب بطالة يعني أن تعمل وتلصق بنفسك كلمة عاطل عن العمل! يعني أن تتنقل بين العيادات قاطبة لتسد الثغور أينما وجدت، وأن تتنقل على مستوى العيادة نفسها بين المكاتب، وأن تصل بهم الجرئة لينقلوك حتى بين الكراسي، وكل ذلك تتقبله بصدر رحب وربما لو ضغطوا على صدرك لفاجأتهم بصوت مسجل للدمى يقول " كم أنتم رائعون! "
فوضى تعم المكتب ولولا شعاع الشمس البهيج لعتبرت الغرفة مستودع خردة، كيف يحلوا له العمل! أقصد الطبيب السابق، غمرني ارتياح أنني لن اتحمل قبح هذا المكان اكثر من يوم واحد!
في المكتب، أخرج الكوت الأبيض والسماعات وختمي الأحمر اللامع وأضعهم أمامي شاعراً بالحيرة، في العادة لا ارتدي الكوت الأبيض ولا تسألوني عن السبب.. اليوم قررت أن أرتديه على غير العادة ثم أخذت التقط لنفسي صور سلفي مثل مراهق يواكب التكنولوجيا، بدوت غريباً نوعاً ما..
يدخل علي رجل في أواخر الخمسينات، أعرفه هو أحد موظفي الوكالة، أبتسم له بريبة، لابد أنه قادم من أجل إعادة تعبئة مخزونه من المضادات الحيوية، أحييه بحذر، يجلس معتدلا أكثر مني أنا الغائص في كرسي لعين قصير جداً وهذا ماكان ينقصني ها!
الرجل يطلب بأدب انسولين لزوجته المصابة بالسكري.. أنا أرد بأدب، عليك يا عزيزي أن تعدل ملفاتكم حتى تكون مناسبة لصرف العلاج… يخرج بأدب وايماءة ويعود بأدب ونظرة متطلعة وكل ذلك يحصل وأنا اراقب من كرسي يرتفع بخجل بضع سانتيمترات عن الأرض…
أتفحص ملفات الرجل وزوجته، زوجته تعاني من قائمة طويلة بالامراض المختلفة بين لي بكلمتين بأنها ابتلاء، لوهلة ظننت بأنه يعترض، ثم فوجأت بأنها تكبره بعامين.. علقت: زوجتك أكبر منك! أشار بالايجاب، فعلقت ربما لرابط القرابة، فتدارك: أخذتها عن حب… فاجأتني الاجابة وأحببت وربما تمنيت سماعها، فستدرت بكرسيي بزاوية قائمة وقلت له مبتهجاً، حباً بالله! هل تقول الصدق؟ قال أنا مخلص لها منذ أربعين عاماً،رددت هل أنت سعيد؟ وبكلمة واحدة وبملئ صوته وجسمه أجابني: جداً… أحببت مجالسته ولولا طابور من المرضى ينتظر بالخارج يرغبون بمتصاص خافض اللسان لطلبت له فنجان قهوة وأشعلنا النار نتدفئ على أحاديثه وفحمنا…
سألته سؤال: هل ضحيت من اجل الحب؟ قال لي عشت في غرفة ضيقة وسقف من الزينغو، وكانت زوجتي تقول لي اصبر سيتغير الحال، واليوم امتلك عمارة فارهة وحياة رغيدة!
قلت له أحسنت.. فطلب مضاد حيوي من النوع الغالي مكافئة له، وبصدر رحب أعطيته اياه وكنت مستعد لخوض معركة مع المدير دفاعاً عن هذا الرجل المخلص… دفاعاً عن الحب…
وانتهى حديثه بخروجه الدرامي ودخول امرأة تعاني من الزكام وتطلب شربة دود….
اليوم ممل رغم مزاجي العالي… اتذكر مقولة دانتي في الكوميديا الإلاهية " تذكري هذه الليلة فإنها بداية الخلود.." … أعبث بالحاسوب شارد الذهن وألاحق خيالات أفكاري… تدخل علي عجوز لا أكاد أرى عينيها من كثرة التجاعيد.. أنظر اليها بشفقة وأفرغ عليها حمولة من الأدوية من غير أن تطلب…
تصبح الساعة عاشرة وبضع دقائق… تدخل علي عجوز تستخدم جهاز ووكر للمشي.. وبمجرد دخولها تقول بأن علاجها في الطابق العلوي وتتسائل هل بالامكان أن تأخذ العلاج من عندي.. انظر اليها بريبة وتصدر عني ايمائة موافقة وكلام شوارع يرحب بها في حضرتي العظيمة!
تبدأ بسرد قصتها وأحاول متابعتها غير أني كنت أفكر بكأس شاي وصلني صباحاً من غرفة الأشعة ترحيباً بي مع العلم بأني حاربتهم فترة وقمت بكتابة طلبات الأشعة على الواجهة الخلفية لورق التحويلات اعلاناً مني الحرب على قسم لديه مدفع شعاعي يرى الجسم من الداخل، غير أني كنت أمتلك علبة كاملة من خافص اللسان، تخيلوا فقط قدرتي على حشرها في فم رجل الأشعة!.. بعد أن نفذ الشاي عاد لي بكأس شوكو ساخن، بدأت أغلي! هل يحاول شراء ذمتي بالمشروبات الساخنة! أعترف أنه نجح في ذلك.. عدت له بالكأس وقمت بجليه بأدب وشكرته ونظراتي تلتقط نظراته، ووعدته بأني سألتزم بكتابت طلبات الأشعة على ورق التحويلات.. ربما كان علي الانتظار ريثما يأتي بالبيتزا!
استمرت الحجة بالحديث وأنا اجاريها بشكل أو بأخر.. كنت أنتظر فنجاناً من القهوة يخرج من جعبتها مع الأدوية التي راكمتها على مكتبي… وبطبيعة الحال كنت متسرعا في أمنياتي هاها
خرجت الحجة مبتسمة من استماعي لها وتعاملي معها كدت أن أطلب لها سيارة حتى تقلها من مكتبي الى باب العيادة!
يدخل علي رجل في أواخر الأربعينات، كوشي، مبتسم لامع الأسنان، شعرت بالبهجة بمجرد دخوله، فأردت أن أغيظه، قلت له: لم أنت كئيب، ابتهج بارجل!
فبتسم عن اخره وأخرج ضحكة مدوية وقطعين حلوى واحدة زهرية زاهية وأخرى خضراء .. كنت سعيداً بفعلته وتقبلتهما بسرور وابتسامة رائعة.. كنت سعيداً بهذا النوع من المرضى… فأنا قليلاً من الوقت لا أجد نفسي مضطراً للتلويح بخافض اللسان تهديداً بقنوطي وغضبي المفاجأ… هاها لازلت سعيداً بالحلوى!
عادت الجدة بالووكر وأخذت تتحدث عن الأخطاء الطبية وأنا أتابعها بريبة، يبدو أنها تحاول رفع قضية على أطباء البلد، عموماً بينت لي أني طبيب ممتاز!
تداركت الموقف فأخرجت قطعتي الحلوى وطلبت من الحجة أن تختار.. التمعت عيناها ونظرت نحو الزهرية الزاهية واختارتها.. فقلت لها أحسنتي الاختيار! فعقبت أنا لست حمساوية هاها… عجوز لئيم تفكر بطّعام بشكل سياسي… ابتسمت لها فخرجت راضية…
أواصل قراءة رواية الشفق… بيلا تشبه خطيبتي! قلت لها ذلك اعترضت بخجل قائلة أني أرى جميع بطلات الحكايات يشبهونها! ربما كانت محقة … القراءة جميلة جداً في مكان العمل.. يأتيني فنجان قهوة في كوب بلاستيكي من فراش الصيدلية.. شكراً لله! أشعر بأني محظوظ حقاً…
تعود لي الجدة لتخبرني بأنّ هناك شيئ غريب على جلدها، أبعثها لجارتي الطبيبة التي لا أعرف اسمها الاول للفحص الطبي.. تعود لي بمرض جلدي وعينين مسبلتين نحو الأرض..أكتب لها علاجات موضعية… تخرج سعيدة بمعاملتي… تدعوني طبيب انسان! ربما أخطئت بين كلمة أسنان وإنسان هاهاها..
لا أعرف كيف بدأت يومي بشكل ساخر ثم اعتدلت قليلاً لأصبح أقل حدة وأكثر استيعاباً… عموماً هو شعور جيد… للأسف فرغ فنجان القهوة!
ربما هي حكمة الرب أن لا نملك الكثير من المال يكفينا لشراء ماكنة صنع القهوة..! لرغبت ببضع كيلوهات من المكسرات أيضاً …
أحياناً أفكر بأنّ العيش كبرجوازي صغير أنسب لي من محاولة بناء امبراطورية من المال!
تصلني رسالة من خطيبتي الرائعة تخبرني بأنّ اليوم ممل وأنها تشعر بالنعاس..
تمنيت أن تعود الجدة لتشكرني مرة أخرى وربما لأسألها عما فعلت بالحلوى!
يدخل علي جمع غفير من المرضى فاغرون أفواههم عن أخرها يعانون من أعراض الرشح والمخاط، أحاول أن أتجنبهم بإلقاء محتويات المكتب عليهم بشكل هستيري فيقتربون مني كالزومبي ويبدأ أحدهم بسرد النكات فأسد أذني وأصرخ طالباً النجدة فيأتيني صوت المدير من خلف الجدران بأن أعمل بصمت فهو يتصفح الفيسبوك، فأرد عليه بصوت مقتضب وسيل من الشتائم وأنتهي بصرف مستودع العلاجات من حبوب الحساسية الصفراء الحقيرة وأشرطة المسكنات…
أجمع حاجياتي المبعثرة.. أتفاجأ بأنني اليوم قمت بتحويل ما يقارب عشر مرضى الى المشفى!
يدخل علي شاب في مقتبل العشرينات يعاني من " واوة في رجله" أصرخ ضاحكاً فينتبه المريض والصيدلي وبائع البسكويت خارج العيادة ثم ينتابني الوقار وانظر للشاب بعد أن كتبت له عدة علاجات على الحاسوب لا شيء منها يفيد الواوة المقززة! ثم أكلمه بطريقة أمرة… اذهب لتلقي علاجك!
تباً للواوة!
في نهاية اليوم انظر في شاشة الهاتف النقال وأتأكد من أن البطارية ملئى! اليوم لدي مكالمة طويلة..
حقاً أحتاج كأس نسكافيه وقطعة شكولاته تركية الأن....
_______
د يحيى البورنو
11/2/2016


