السبت، 17 أكتوبر 2015

سعدية، تبحث عن عريس لابنتها..



انطلقت الحجة سعدية من سويعات الصباح الأولى، حاملة معها سلة السوق الشبكية، وهي الشيء الوحيد الذي ورثته عن أمها المتوفاة. انطلقت نحو السوق المركزي تبتغي شراء عريس لابنتها، والحقيقة أن الحجة سعدية لا تثق بزوق ابنتها المتعلمة ، فبظنها أن التعليم أفسد زوقها بشكل مستفز، فالبنات اليوم يبحثون عن الفتى صاحب الشعرات الذي يملك صوت غريب أقرب لصوت عجل السيارة منه لصوت الرجل الطبيعي، وكيف لهم أن يتمكنوا من اختيار الرجل المناسب بينما كل تجاربهم الحياتية لم تتعدى الدراسة بين عدة جدران والتعامل مع الشبان من خلال مواقع الانترنت والحصول على صورة معوجة عن الحياة الحقيقية.
أما الحجة سعدية فقد طحنتها مرارة الأيام لذلك لديها صورة جدية عن الشاب الجيد لبنتها، فخرجت وحملت معها بعض المال، واتجهت نحو سوق الرجال.
على طول السوق ينتشر كم هائل من الشبان، بأحجام وبأشكال مختلفة، كل منهم يحمل كتالوج استعمال، وكتاب مواصفات. والرائي يحتار في هذا الكم الهائل، الجميع يعرض نفسه للبيع، يبحثون عن مشترٍ كريم، والحجة سعدية، تتفحص في وجوههم، ثم تسألهم عدة أسئلة وتعاود التفحص من فوق لتحت، تبحث عن عيب واحد يبعدها عن اختيار الرجل المناسب.
بعض الرجال يملك وجه حسن ولكن طوله قصير وكرشه كروي وضخم، تبتعد الحجة سعدية عنه بسرعة. أخر يلبس نظارة ولديه صلعة وجيوبه خارجة من بنطاله، تنظر سعدية لورقة ملصقة على جبينه، مكتوب عليها "دكتور" تبتسم وتقول "مسكين، لن تقبل به فتاة!"
تنظر يميناً فترى شاب ذو عضلات وبلحية، ويحمل زجاجة عطر، ويرتدي بدلة جذابة، تقترب منه، وتقول له ماهو مؤهلك الدراسي، فيفتح ثغره عن أخره ويقول "توجيهي" فتسأله "ماذا تعمل" فيقول "عارض أزياء" "مممم جميع فتياتي سيرغبن بك يا ماوكلي!" "خذي يا حجة، حساب الفيسبوك الخاص بي" "ماذا أفعل به؟" "ممم ما يفعل به في العادة، يُرفًض!"
تنظر يساراً فيواجهها رجل أربعيني يملك سيارة، ويحمل زجاجة ويسكي ويدخن سيجار، ويتحدث مع نفسه قائلاً "تعبت من البحث عن فتاة، فأتيت أبحث عن نفسي في فتاة" ومن حوله مجموعة كاميرات تلتقط له بعض الصور!"
وأخذت تتفرس في أنواع الشباب، التخين، والنحيف، والغني، والفقير، والأحمق، والمرابي، والنصاب، والشامت، والمنافق، وحامل الياقات، وصاحب الرجل الواحدة، وتسير بينهم تبحث عن شيئ لا تعرفه، عن رجل ما، عن شخص تعتقد جازمة بأنه يستحق فتاتها.
الجميع يملك عيوب، هي تدرك أنّ لا أحد كامل، ولكن من الصعب في ظل وجود العديد من الخيارات، ان تستطيع ضمان الحصول على خيار جيد!
"لعلنا في زمن كثرة فيه البضاعة، وقل فيه الرجال" هكذا كانت تبرر عجزها عن الحصول على  رجل مناسب!
وفي زاوية من زوايا السوق، يقف رجل لا يحمل كتاب مواصفات، ولا يبتسم لكل امرأة تقترب منه، ولا يغازل ذباب الجو من حوله. اقتربت منه الحجة سعدية، وقالت له " ماذا تفعل بعيداً عن السوق" 
"استجمع رجولتي!"
"أين فقدتها يا بني؟"
"فقدتها خلال مسيري بالسوق، أعني، كل تلك النساء ينظرن إلي، يرجون وجود عيب واحد حتى يبتعدن عني! يال حماقاتهن، هل يرغبن الكمال! هل نحنُ لعبة في يد طفل صغير!؟ نحنُ لدينا كرامة، وكرامتنا محفوظة خارج السوق، وها أنا استجمعها، لأعود بقوة، وأحارب هذه العادة الحمقاء!.."
" كلام جيد يا بُني!"
"يا حجة، تخيلي فقط، تخيلي، لو أنّ ابنتكي في مكان أي رجل منهم، تقف معروضة، والجميع يرغب بها، ويبحث عن عيب فيها، هل تقبلين بذلك؟ هل ترضين بحصول ذلك لفلذة كبدك؟!"
" مستحيل يا بني، هذا الكلام لن يحصل لبنتي ولو على جثتي الشمطاء!"
"نعم نعم، اذاً لماذا ترغبيه لأبناء الناس، كلكم منافقون، كلكم ترغبون بشروة سهلة، وكاملة، حمقى، لن أدخل سوقكم بعد الأن!"
"نعم يا بُني لن أسمح لك بدخوله، أتعرف لماذا، لأنني سأخذك لبنتي "
وتضع الحجة سعدية الرجل الغريب دخل السلة الشبكية، وتقول لنفسها، "هكذا تماماً حصلت سعدية على زوجها، ووهكذا ستحصل ابنتي على عريس"

السبت، 10 أكتوبر 2015

نحنُ نحصل على الحب الذي نستحقه!

نحنُ نحصل على الحب الذي نستحقه!
هكذا كانت تقول له عندما كان يفاجأها كل مرة بكلمة "أحبك"، وكل مرة تتفاجأ وكل مرة تعشقه من جديد..
وبعد كل كلمة لم تكن ترد عليه بأكثر من فنجان أنثى، كان يشرب وكانت تصب له من حبها وشوقها..
ككل الرجال كان متوسط القامة مربوع الكتفين، دائري الرأس، طويل اللحية، يحب قراءة الجرائد، ويكره مواقع التواصل الاجتماعي، وكلما طلبت منه فتح حساب فيسبوك عبر عن رفضه بشرب فنجان قهوة دفعة واحدة مع نظرة عتاب تتسلل داخلها. وكل مرة تسأله أن يطيعها وينشأ حساب جديد ليس رغبتاً في حبه على موقع تواصل اجتماعي ولكن لحاجة دفينة في داخلها تسدها مع نظراته الحانية المعاتبة.
كانت تعرف أن في عينيه قصة وخلفه أطنان من الحكايات...
أما هو فكان قليل الكلام، يعشق الصمت ويستمع لها، وهي كانت تحدثه فقط لتجذب عينيه لها، بعيداً عن الجرائد، قريباً من صوتها والقهوة..
كم كانت ترغبه.. فقط لو كانت لحيته، أو قهوته..
فقط لو كانت جريدة يقرأها كل يوم على عجل..
فقط لو كانت وفقط لو رضي..
اعتادت على ضمه لها، حتى كانت لحيته تنغرس داخلها، تتسلل الى روحها، تطرد الأرواح الشريرة وتعلن استيلائه على قلبها وحبها..
كان تعشق أسلوبه في ترتيب نفسه، ومع امتداد الزمن اعتادت قهوته، جرائده، ولحيته..
لطالما قال لها بأنّ قلبها النقي سيكون سببا في نجاة العالم، ولطالما ضمها بين كل خبرين لعالم يعشق القتل..
وفي يوم ما عاد لها، بلا جريدة، وبلا قهوة، وبلا لحية، عاد ليضمها، فقط ليضمها..
لم تعرفه، وكأن ما كان يجمعهما ليس أكثر من لحيته وقهوتها..
وكأن كلمة السر لم تكن سوى ظهورهما بروتينهما المعتاد..
لم تعرفه، ولم يسمعها، فقط ضمها..
أخذت تبحث عن لحيته..
لم تجد اي شيئ ينغرس داخلها ليطرد أفكارها ويملك كيانها..
أخذت تصرخ، أين لحيتك، ماذا فعلو بها!؟
قال لها ذهبت مع القهوة، ذهبت مع الجرائد، ذهبت ككل الحكايات..
صرخت، خذو شعري وأعيدوها...!
وأخذت تقطتع من نفسها وتعطيه، وتقص من شعرها وتلصق داخله..
وكأن شعرها ما هو سوى لحيته التي اعتادتها، وغرسها فيها لتنبت من جديد على رأسها الملكي فتورد حب وقلب..
قالت له " رغم كونك عارٍ من نفسك، رغم أني لا اعرفك، رغم الانكسار، أحبك"
عندها قال لها كلمتها المعهودة " نحنُ نحصل على الحب الذي نستحقه"
ومضى!