الجمعة، 5 مايو 2017

رجل القهوة، الجزء الخامس..


الحب..
اعلم بأنني أكثرتُ عليك يا روزا عندما أخبرتُك في ذلك اليوم بأنني أُحبُك! لا أعرف حقاً كيف واتتني الشجاعة أن أنطق بتلك الكلمة، شعرت بأنها خرجت من كتاب مغلق، وعندما نفضتُ عنه الغبار، لم أستطع أن أتدارك ذلك الشعور الغريب، الذي انبعث مني، ليخترق كل كيانك..
الحُب شبكة نُريد أن تُمسكنا، وفخ نأمل أن نقع فيه، وحتى بعد أن يهزمنا ويأكل ما تبقى من فُتات، نحنُ إليه.. البعض مع الزمن يخيط جرحه بالأيام ويحاول أن ينسى والبعض يشرب من دمه ويقفل شعوره ويكون كالألي لا تعود تلك السكاكين تجرحه، والبعض يعيش على الذكرى ويكتب، وأنا هنا أحدثك يا روزا بما كان بيني وبينها من دفء لا زالت حتى الأن ارتديه في الزوابع.

من روزا الى رجل القهوة، إقترب قليلاً..

" عزيزي جاد، انت اجمل شيء حصل لي منذ فترة طويلة، وحتى بعد كل تلك الصعوبات التي تخطيتها كي اتمكن من ان اكسر بعض الحواجز معك، لازلت أعتقد بأنك سد منيع وأن المشاعر التي تجد طريقها  نحو قلبك لابد أنها تملك باب سحري.. يا جاد، انت مزيج من شيء جميل ومبهم!
الاسبوع الماضي فجرت قنبلة مدوية في وجهي، وشتت عقلي بين ألاف الأفكار التي تحركت بعشوائية وبلا اي هدف في لحظة واحدة عندما قلت لي كلمة "أحبك!"
بعض الكلمات لا تعرف اثرها عليك حتى تجربها، لا أعرف كيف أصف شعوري لك بعدما صدمتني بحبك.. كنت تنظر نحو عيني بشيء من الإلحاح، ونحن نجلس على شاطئ البحر، وأنا اعبث بالرمال وأداعب قدمي واضحك، ثم بعد لحظة صمت، بُحتَ بحبك لي و قمت من مكانك وتركتني وكأنك تعرف أنك بكلمة واحدة أزلت عني ملابسي وتركتني عارية ومذهولة..
الحب هو شيء جميل جداً يا جاد، لا يجرح ولا يؤلم لكنه يشفينا من جروحنا ويحيي الجمال داخلنا..
عندما تركتني استغليت لتك اللحظة التي أعطيتني إياها مع نفسي، ثم هربتُ من نفسي.. نعم قُمتُ من مكاني بسرعة وأخذت أعدو نحو المنزل، وأنا مرتبكة وخائفة، كنت أعدو بسرعة، كانت دوعي تسيل نحوك، وكنت أشتهي عناق، عناق واحد يا جاد كان كفيلاً أن يعيدني لنفسي بعد أن فقدتها في حيرتي من دفء الموقف، لم أرد عليك يومها ولا بعدها، لكن كيف لي أن ارد عليك وأنا عارية من نفسي، وأنا حمراء وخجلة، وأنت تفاجأت بفعلي وأخذت تجري ورائي، لم تحاول ان تمسكني، ربما كنت تعرف أنّني لابد أن أعود لك، هل تلعب معي ألعاب عقلية يا جاد؟
أخبرتك يومها وأنا اجري بسرعة بأنني سأراك لاحقاً، عندما تشرق الشمس في مهرجان الرقص!
في اليوم التالي، لم ترانِ، كُنتُ خائفة أن أراك مجدداً فتخبرني بأنك كنت أحمق ولم تقصد ما تقول! 

وبعد أسبوع أتيتك يا جاد، وفي المكتبة كعادتك كنت تجلس تحدق في فنجان القهوة أمامك لم يكن أمين المكتبة ليراجعك مجدداً بأن الشرب ممنوع في المكتبة فمع الوقت أصبح يعد لك فنجانك الخاص معه ويستمتع أحياناً بمسامرتك، أما أنا فأخذت أتلصص من بعيد نحوك، ثم تنهدت وأنا أمسك بيدي محاولة تهدئة نفسي، واقتربت منك يا جاد، كنت خجلة لأنني ابتعدتُ عنك اسبوع بأكمله، حاولت أن أنساك! لكنِ لم استطع، ثم قررت بأنّ الذي بيننا يستحق أن اعيش من أجله.. أما أنت فكنت هادئاً ومبتسماً وكأنك تعرف ردي المسبق وتخفي الاجابة مني..عني!، لم تتكلم عندما رأيتني، لم تحييني، فقط قمت عن كرسييك واقتربت!، وبدفأ أمسكت بيدي وقبلتها، وبعدها عانقتني لاول مرة بجرأة و أخذت ترقص معي في مكتبة بشكل جنوني وانت تصيح بصوت عالٍ، الحُبُ أحمق يا روزا، وأنا أحبك، ولم تتركني حتى أتاك أمين المكتبة يصيح وهو مذعور لينبهنا بأن الجميع ينظر الينا وأننا دنسنا هذا المكان المقدس بحماقة الحب!
ربما لا أعرف كيف أبدأ الرسالة، لكنني أعرف كيف أنهيها، وهنا لن أزيد عن كلمة واحدة، وهي، أنا أحبك..!
ياللسخرية، أنها كلمة من كلمتين!

روزا..

كانت لاقائتنا متباعدة في البداية، كنا نخترع أسباب تافهة كي نلتقي لكن بعد أن قرأت رسالة روزا شعرت بأنها تبادلني نفس الشعور، فأخذت أكثر من رؤيتها حتى لا تغيب عن ناظري، حتى أنني في مرة من المرات فكرت أن أتعلم الفرنسية حتى أتحدث مع روزا بلغة تجيدها، فقد كانت روزا عاشقة للغات، وكنت أنا عاشقاً لها.. في كل مرة كنا نخرج فيها كانت ترتدي فستان أجمل من السابق، وكأن الجمال تراكمي.. كانت أيام الأسبوع مقسمة مابين العمل، ولقائاتنا، توقفت عن القراءة، وحتى أنني ودعت التدخين! فلم أكن متفرغ لحرق صحتي كانت روزا تحتاج كل جزء مني!..

روزا كانت فتاة مليئة بالحيوية، وجميلة، كان شعرها أسود غامق وفي نفس الوقت جذاب، لطالما ذكرني بالسماء، الجميل فيها هو الأناقة، كانت تبدو مثل سيدة فرنسية من أصول عريقة، لكن مشكلة روزا أنها كانت درامية جداً وتحب ان تجعل كل لحظة حياة بكاملها، أحياناً يمكن ان يكون هذا الأمر نقمة على صاحبه لكنني كنت سعيداً جداً بكل صفاتها.. لم أكن لحوحاً في سؤالي عن حياتها الخاصة، كنت أترك لها الحبل كي تحدثني عن نفسها، وفي كل مرة كانت تأخذها الكلمات لتبوح بأكثر مما تريد، ومع الأيام أصبحت شفافة أمامي رغم عمقها الطاغي..

العمل كان جزء مهم من روزا، فهي لا تترك المركز الطبي الذي تعمل فيه حتى تنتهي منه تماماً وأعني أن روزا لا تترك عمل يتراكم نحو الغد، فقد كانت أعمالها الادارية كثيرة وكانت مدير أعمال قسم شؤون الموظفين في مركز طبي قريب من المكتبة، ولأنني أعشق عملي مثلها فلم أعاني من حبها لشئ أخر غيري، لكني كنت متأكد أن الأيام لو خيرتها بين شيئين لاختارتني حتماً أو هكذا كنت أظن..

على مدار عدة أشهر، كنا كعاشقين ساذجين، نفعل ما يفعله المراهقون المفعمون بالحيوية، نتبادل الرسائل الرومانسية، ونخرج ليلاً لنراقب القمر، ثم نتسابق نحو الجانب الاخر من الشارع ونحن نتشابك الأيدي، أحياناً كنا نذهب للبقالة لنشتري الشكولاته والحلوى ونتناولها على الشاطئ، وأحياناً أخرى كنا نشتري الكتب.. كنا نلهب حبنا بالكلمات الجميلة والهامسة، لازلت اذكر ليالِ من المكالمات الهاتفية عندما كنتُ اكلم روزا بدفء لتنام بسرعة ثم أترك الهاتف يعمل لأسمع أنفاسها بالليل وأنا أحاول التوقف عن النوم حتى لا يفوتني شيء أُحبه! ولازلت أذكرها وهي تغني لي بصوت رقيق وعيناها تلمعان في العتمة، كانت شيء جميل أتى ليملئ علي كل حياتي كانت رزق، وكانت هدية من السماء.. لا يوجد اعذار في الحب، ولا يوجد حواجز، وعندما يكون هناك وصلة بين روحين فإنها لابد أن تكتمل مثل البدر في الليلة المظلمة، مثل روزا..

لا أعرف أن كنتي تريدين أن تعرفي المزيد عن حياتي مع روزا، ولا أعرف لماذا اخبركِ عنها، أنت ظهرتي من اللاشيء تماماً مثلما اختفت هي، وكأنه يجمعكم شيء ما، ربما عنصر المفاجأة الذي لطالما ظننت أنني املكه مع الناس، ثم أتت روزا ومن بعدها انت، وكأن الله يعاقبني ويخبرني بأنني احمق، هل لازلت تريدين أن تعرفي المزيد!؟

" ربما احتاج أن أعرف المزيد فعلاً، فأنا حائرة معك!، ولكن طالما أنّ الحياة كانت جميلة، والحب يملئ حياتكم إذاً ما الذي حصل وجعلك بائساً كل هذا البؤس؟ "

في الحقيقة حصل شيء لم أتوقعه أبداً!

"أرجوك أكمل!"

لقد تركتني.. روزا، تركتني! وإلى الأبد...

يتبع